وكان الحمدانيون ملوك حلب قديما من تغلب، وكان من تغلب نصارى كما كان من غسان، ولما ظهر الإسلام أسلم منهم أناس، وبقي الآخرون متمسكين بنصرانيتهم وأبوا أن يدفعوا الجزية كسائر النصارى بحجة أنهم عرب، وأصر سيدنا عمر على أخذها منهم، وكان سيدنا علي فكر في منعهم من تنصير أولادهم وذلك حتى ينشأ أحداثهم في الإسلام. ولهم حكم خاص في الفقه الإسلامى، واختلفت في شأنهم الأقوال، وجاء في فتوح البلدان للبلاذري عن ابن عباس قال: لا تؤكل ذبائح نصارى بني تغلب، ولا تنكح نساؤهم، ليسوا منا ولا من أهل الكتاب وتظاهرت الروايات على أنه لما أراد عمر أخذ الجزية منهم لحقوا بأرض الروم، فقال زرعة بن النعمان لعمر: أنشدك الله في بني تغلب فإنهم قوم من العرب يأنفون من الجزية، وهم قوم شديدة نكايتهم، فأرسل عمر في طلبهم فردهم، وأضعف عليهم الصدقة. وكتب عمير بن سعد إلى عمر يسأله رأيه فيهم لأنهم هموا باللحاق بمملكة الروم، فكتب إليه عمر رضي الله عنه يأمره أن يضعف عليهم الصدقة التي تؤخذ من المسلمين في كل سائمة وأرض، وإن أبوا ذلك حاربهم حتى يبيدهم أو يسلموا ، فقبلوا أن يؤخذ منهم ضعف الصدقة، وقالوا: «أما إذا لم تكن جزية كجزية الأعلاج فإنا نرضى ونحفظ ديننا.»
وقال الزهري: «ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا نصارى العرب الذين عامة أموالهم المواشي، فإن عليهم ضعف ما على المسلمين. وكان عثمان رضي الله عنه أمر أن لا يقبل من بني تغلب في الجزية إلا الذهب والفضة، فجاءه الثبت أن عمرا أخذ منهم ضعف الصدقة فرجع عن ذلك، واتفقوا على أن سبيل ما يؤخذ من أموال بني تغلب سبيل مال الخراج، لأنه بدل من الجزية. وبالاختصار أبت بهم عروبتهم أن يؤدوا كنصارى الأعاجم، وأبى الخلفاء الراشدون أن يعاملوهم معاملة المسلمين فوجدوا لذلك طريقا وسطا.
ومن بني تغلب الأخطل التغلبي الشاعر النصراني المشهور وهم كثيرون في نجد.
وأما بكر بن وائل فمنهم شيبان. ومنهم بنو حنيفة رهط مسيلمة الكذاب، وأكثر سكان الرياض عاصمة نجد اليوم من بني حنيفة، ومن بكر بنو عجل بن لجيم.
وأما القسم الثاني من العدنانية فهم سلالة مضر بن نزار، ويقال مضر الحمراء ولذلك تجتمع عدنان كلها في ربيعة ومضر.
ولمضر فرع جمع عدة قبائل وهو قيس، ويقال له قيس بن عيلان بن مضر وقيل هو قيس بن مضر لصلبه وعيلان مضاف إليه، قيل فرسه وقيل كلبه. ولكثرة بطون قيس غلب على سائر العدنانية، حتى صار في مقابل اليمن كلها، فصاروا يقولون قيس ويمن، وفى جميع الديار الشامية انقسم العرب إلى قيس ويمن، وكانت حروب القيسية واليمنية في لبنان متصلة وانتهت بواقعة عين دارة منذ 225 سنة. وأما في فلسطين فلا تزال هذه القسمة موجودة. وأما في الأندلس فكانوا يقولون المضرية واليمنية، ومن أشهر قبائل قيس هوازن، وهم بنو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، ويقال لهوازن اليوم عتيبة. وهم من أكبر قبائل العرب منهم أناس في الحجاز وآخرون في نجد. وينقسمون اليوم إلى فرعين؛ الروقة، والبرقة، وبعضهم يرى أن أحد الفريقين وهو البرقة من عامر بن صعصعة. ومن هوازن بنو سعد الذين كان النبي
صلى الله عليه وسلم
رضيعا فيهم. ويقال لهم بنو سعد بن بكر ذكر صاحب صبح الأعشى أن منهم فرقة بنواحي باجة من المغرب. ومن هوازن بنو عامر بن صعصعة.
ومنهم بنو كلاب، وكان لهم في الإسلام دولة باليمامة، ثم انتقلوا إلى الشام وملكوا حلب مدة من الزمن. ومن بني عامر بن صعصعة بنو هلال وهم أشهر قبائل العرب. وكانوا في الحجاز ونجد. وقد انتقلوا إلى المغرب فملئوه. ثم إن قبيلة حرب الكبيرة في الحجاز من بني هلال، وهم بطون ثلاثة؛ بنو مسروح وبنو سالم، وبنو عبيد الله. هكذا في صبح الأعشى. وأما في كتاب «الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف» فقد جاء في الصفحة 372 ذكر قبائل الحجاز النازلة بين الحرمين، وقد كنت نقلتها عن سجلات الحكومة في المدينة المنورة فهنالك أقول: «أهم هذه القبائل حرب، وهم بنو حرب بن هلال بن عامر بن صعصعة من العرب العدنانية. وحرب خلف أربعة أولاد: سالم، ومسروح، وعبد الله وعمرو. فمسروح أكثرهم ولدا، وقد دخلت بطون بني عبد الله وبنو عمرو في مسروح.» أما صبح الأعشى فيقول نقلا عن الحمداني: إنهم ثلاثة بطون؛ بنو مسروح، وبنو سالم، وبنو عبيد الله. وقال: إن من حرب زبيد الحجاز، وذكر أن منهم بني عمرو. ومنازل مسروح من مكة إلى المدينة المنورة وعددهم يزيد على ستين ألف نسمة. وأما بنو سالم من حرب فمنازلهم من مكة إلى المدينة إلى وادي الصفر إلى الحديدة إلى ينبع البحر، وهم يزيدون على خمسين ألفا. فحرب إذا اجتمعت تزيد على مئة ألف نسمة، وكان شيخ مشايخ حرب خلف بن حذيفة الأحمدي، وكان ناصر بن نصار الظاهر، ومنصور الظاهري، من مشايخ المراوحة من بني سالم من حرب. وبنو مزينة الذين بأطراف المدينة والذين منهم زهير بن أبي سلمى المزني صاحب المعلقة، داخلون الآن في بني سالم من حرب. والحال أن مزينة في الأصل هم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن أد بن طانجة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر على ما في صبح الأعشى. وكان شيخهم حجاب بن بخيت معدودا من مشايخ المراوحة من بني سالم إلى آخر ما ذكرناه من أسماء شيوخ حرب في العصر الأخير.