وما تناهيت في بثي محاسنه
إلا وأكثر مما قلت ما أدع
وأطال صاحب الأعلام في ترجمته وترجمة أولاده، وذكر غزواته، فذكر له أربع عشرة غزوة انتصر وفتح في جميعها، وذكر كثيرا من مآثره، فمن ذلك الصدقة الرومية التي هي الآن مادة حياة أهل الحرمين الشريفيين فإنه أضاف إليها من خزائنه الخاصة مبلغا كبيرا، ومنها صدقات الجوالي، ومعناها ما يؤخذ من أهل الذمة في مقابلة استمرارهم في بلاد الإسلام تحت الذمة وعدم جلائهم عنها، وهي من أجل الأموال ولأجل حلها جعلت وظائف للعلماء والصلحاء والمتقاعدين من الكبراء، ومنها أجراء العيون، ومن أعظمها أجرا عين عرفات إلى مكة المشرفة، ومنها بمكة المدارس الأربع، ومنها تكيته ومدرسته العظيمة بمرجة دمشق، إلى غير ذلك مما لا يحصى، فرحمه الله رحمة واسعة. انتهى ملخصا ومن أراد البسط الزائد فيراجع الأعلام.
قلت: كان سليمان القانوني يجمع أحيانا بين الأضداد فإنه قد اشتهر عنه من الرأفة والعفو ما لا خلاف فيه، كما أنه ثبت كونه أمر بقتل أولاده الذين بلغه أنهم كانوا يريدون أن يخلعوه، والملك كما يقال عقيم، فلا تنفع في جانب الاستئثار بالملك رأفة ولا شفقة، وهذا من وجوه الشبه أيضا بين السلطان سليمان القانوني والخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي الذي قتل أيضا ابنه، وكان الحامل له على قتله سبب أشبه بالسبب الذي حمل السلطان سليمان على قتل ابنه مصطفى وهو وقوع الناس به، وحوم القلوب عليه واشتهاره بالعلوم والآداب.
هذا وقد رثى السلطان سليم المفتي أبو السعود العمادي الشهير ب«مرثية هي وإن كانت من شعر العلماء وعلى لهجة الفقهاء فهي لا تخرج عن طبقة الشعر العالي قال:
أصوت صاعقة أم نفخة الصور
فالأرض قد ملئت من نقر ناقور
أم ذاك نعي سليمان الزمان ومن
قضت أوامره في كل مأمور
ومن ومن ملأ الدنيا مهابته
وسخرت كل جبار وتيمور
مجاهد في سبيل الله مجتهد
مؤيد من جناب القدس منصور
وصدق عزم إلى الخيرات منصرف
وحسن لحظ على الألطاف مقصور
ومنها:
يا نفس ما لك في الدنيا مخلفة
من بعد رحلته عن هذه الدور
وكيف تمشين فوق الأرض غافلة
أليس جثمانه فيها بمقبور
يا نفس فاتئدي لا تهلكي أسفا
فأنت منظومة في سلك معذور
وأما العلماء الذين نبغوا في زمان السلطان القانوني، فمنهم المولى خير الدين الذي كان معلما للسلطان وكان قد حصل على حشمة وافرة بسبب جاهه عند السلطان سليمان، ومع ذلك لم يتبدل ما في طبعه من التواضع ولين الجانب.
ومنهم قادري شلبي وتقلب في المناصب العلمية حتى صار قاضيا للعساكر، ثم عزل عن ذلك وتولى الإفتاء بالقسطنطينية.
ومنهم سعد الله بن عيسى وأصله من قسطموني، وتولى القضاء بالقسطنطينية، ثم تولى الإفتاء بها وكان محمود السيرة مرضي الطريقة.
ومنهم الشيخ محمد بن إلياس المشتهر بجوي زاده، تولى القضاء بمصر، ثم صار قاضيا للعسكر المنصور، ثم تولى الإفتاء بالقسطنطينية، ثم تقاعد عن الفتوى وعاد إلى التدريس وكان قوالا بالحق صادقا بالشرع وقال صاحب «الشقائق النعمانية»: إنه كان من محاسن الأيام.
ومنهم المولى محيي الدين محمد بن قطب الدين وكان مدرسا، وما زال يترقى حتى تولى قضاء العساكر، ثم عزل عن القضاء فرجع إلى التدريس ثم ترك التدريس وذهب إلى الحج ورجع وانقطع للعبادة واعتزل الناس.
ومنهم المولى حافظ محمد بن أحمد باشا بن عادل باشا أصله من بردعة، في حدود العجم قرأ في تبريز وفاق أقرانه وبلغ الغاية من العلوم العقلية مع الرسوخ التام في الفقه والتفسير والحديث، ومع الأدب والتاريخ، ولم يكن يفتر عن الكتابة وله تآليف كثيرة وشروح وحواش على كتب السيد الشريف الجرجاني، وله رسالة اسمها «الهيولي» وله كتاب اسمه «مدينة العلم» جعله ثمانية أقسام، وأورد في كل قسم منها اعتراضات على ثمانية من العلماء المشهورين في الآفاق، كصاحب الهداية وصاحب الكشاف والبيضاوي والتفتازاني، والشريف والجرجاني، ونحوهم، وله رسالة اسمها «نقطة العلم» ورسالة أخرى اسمها «معارك الكتائب» ورسالة أخرى اسمها «السبعة السيارة» وكان بالجملة من أعاظم العلماء.