صلى الله عليه وسلم ، وهو أشرف الخلق - حرروا أنسابهم لدى نقباء الأشراف، وكتبوا به الكتب المؤلفة، وهذا أمر بديهي لا نزاع فيه، لأن هذا الشرف هو مما يتنافس به، ومما يستجلب لصاحبه مزايا معنوية، وأحيانا منافع مادية، فلا يريد منتسب إلى هذا البيت الشريف أن يفقد الدليل على نسبته هذه. ولئن كان البيت النبوي هو أشرف الأنساب بالسبب الذي تقدم الكلام عليه فليس سائر بيوتات العرب من ذراري الملوك والأمراء ، والأئمة والعلماء والأولياء بأقل حرصا على حفظ أنسابهم من آل البيت الفاطمي. وجميع قريش مثلا سواء كانوا من الطالبيين أو من غيرهم يفتخرون بنسبهم القرشي، وكذلك ذراري الأنصار من الأوس والخزرج يفتخرون بأنسابهم القحطانية، وكذلك سلائل الملوك من لخم وغسان، وأمثالهم من العرب القحطانية ليسوا بأقل حرصا على حفظ أنسابهم من تلك البطون العدنانية الشريفة. والعرب بالإجمال سائرون في النسب على مقتضى قوله تعالى
كل حزب بما لديهم فرحون
فكل قبيلة راضية بنسبها، تحفظ مآثر قومها، وتعتز بالاعتزاء إلى سلفها، مع أن القبيلة الثانية التي تنافسها تحفظ لها عورات ومعرات تعتبرها بها عند المفاخرة والمنافرة.
ولشدة اعتنائهم بالأنساب تجد انتصار بعضهم لبعض على نسبة درجة القرابة، فكلما كانت القبيلة أقرب كانت أولى بنصرها، لا يتخلف ذلك فيهم إلا لعوامل غير معتادة. ومهما اشتدت العداوة بين أبناء فخذ واحد فإنهم يجتمعون بطنا واحدا على بطن آخر يناوئهم من قبيلتهم، وكذلك تجتمع البطون المنتسبة إلى عمارة لمقاومة عمارة أخرى، وهلم جرا. ولا بد أن ينزع عرق النسب في العربي فيميل به إلى الأقرب مهما كان هذا الأقرب بعيدا في الحقيقة؛ فالقحطاني ينتسب إلى شعب طويل عريض يحصى بالملايين، والعدناني ينتسب إلى شعب لا يقل عنه في العدد والمدد، ولكن إذا اختصما في موقف من المواقف وجدت عرق العصبية نزع في كل عربي، فمال القحطاني إلى قبائل اليمن، ومال العدناني إلى قبائل الحجاز ونجد، أي مضر وربيعة. وقد يؤاخي الفريق منهم من كان يعاديه بغضا بفريق آخر أشد عداوة لأنه أبعد نسبا، وعليه قول شاعرهم:
وذوي ضباب مضمرين عداوة
قرحى القلوب معاودي الأفناد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم
وهمو إذا ذكر الصديق أعادي
كيما أعدهمو لأبعد منهم
ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
ومن أجل هذا التدقيق في قرب النسب وبعده، وترتيب الصداقة والعداوة على درجات هذا القرب وهذا البعد، انقسم العرب إلى ذينك الشعبين الكبيرين: عدنان، وقحطان، وغلب على قحطان اسم اليمن، لأن أكثر منازل العرب القحطانية هي في اليمن، ومن وجد منهم خارجا عن اليمن كالأوس والخزرج في المدينة، وكطي وغيرها في نجد مثلا، فإنما خرجوا بعد أن انهدم سد مأرب، وتفرقت القبائل في البلدان.
وأشهر القحطانيين حمير. ومنهم قضاعة، ومن قضاعة بلى. ومنهم الآن في شمالي الحجاز، وجهينة. ومنهم على سواحل الحجاز يبلغون 100 الف نسمة، وكلب وهم في بادية الشام، ويقال لهم اليوم الشرارات، وعذرة المشهورون بالعشق، ولهم بقايا بمصر وبقايا بالشام، وبهراء ومنهم ما بين بلاد الحبشة وصعيد مصر، ونهد، وجرم، وتنوخ وهؤلاء كانوا في شمالي بلاد الشام.
ومن القحطانية كهلان. ومنهم الأزد، ومن الأزد غسان وكانوا بالشام، وكان منهم نصارى، ولذلك تجد كثيرين من نصارى سورية ينتسبون إلى غسان - أو يحبون أن ينتسبوا إلى غسان - ومنهم الأوس والخزرج في المدينة المنورة، وقد تفرقوا في البلاد ولا يكاد يوجد منهم أحد في المدينة في هذه الأيام. ومن كهلان طيئ وهم من أكبر القبائل، ويقال لهم اليوم شمر، وبحتر الذين منهم البحتري الشاعر، وزبيد بضم أوله ففتح فسكون، وكثير من قبائل الشام هم من زبيد، وسنبس، وجرم ومنهم في بلاد غزة ومصر. وثعلبة. ومنهم كثير في الديار المصرية. وغزية. ومنهم بطون في العراق وفى الشام والحجاز. وبنو لام، وهم بالعراق ومنهم الظفير.