صلى الله عليه وسلم ، فأنت ترى أن كتاب العرب كانوا يجعلون مالطة من الأندلس كما كانوا يجعلون ميورقة ومينورقة وسردانية وغيرها.
ثم نقل أحمد فارس عن المؤلف الذي اعتمد عليه كلاما عن جزيرة «كوتزو» من أخوات مالطة فقال: إن اسمها جزيرة غورش وإنها بالإفرنجية كوتسو وإن هذه اللفظة يونانية ومعناها مركب مستدير وهي كأنها ذيل انقطع من مالطة وطولها اثنا عشر ميلا في عرض ستة، وأهلها نحو خمسة عشر ألفا، وجملة قراها ست، ومدينتها تسمى الربط (كأنه محرف عن الربض) وفيها آثار قلعة قديمة، وبقول الجزيرة وفاكهتها طيبة جدا، وكذا عسلها، وزعم بعضهم أن مالطة وغورش وكمونة كانت في الأصل جزيرة واحدة وحدث من الزلازل ما فرقها. أ.ه.
وأردف أحمد فارس رحمه الله هذا الكلام بقوله: رأيت جزيرة غورش غير مرة، أما اسمها فأظنه محرفا عن لفظة الهودج، سماها به المسلمون لشدة شبهها به، كما سموا الجزيرتين الأخريين كمونة وفلفلة لصغرهما، إلا أن أهلها ينطقون بها بالغين المعجمة لا بالمهملة كما ينطق بها أهل مالطة.
ثم ذكر أحمد فارس أن أهل مالطة رغما من كون لغتهم فرعا عن العربية فليس منهم من يحسن قراءتها والتكلم بها، وأن هناك دار كتب موقوفة فيها ثلاثة وثلاثون ألف سفر، وليس فيها من الكتب العربية ما تحته طائل، ثم ذكر أن في لغتهم إمالة كثيرة فهم يقولون للتفاح تفيح وللرمان رمين وللبطيخ بتيح بالحاء المهملة وللخيار حيار بالحاء المهملة أيضا وللإجاص لنجاص وللدلاع دليع وللخبز حبس وللخوخ حوح بالحائين المهملتين، ويقولون: بس بمعنى حسب، ولكن يبدلون سينها زايا ويكسرون أولها.
ثم قال: إنه لا ينكر أن كثيرا من الكلام العربي الذي بقي في مالطة مستعمل بطريقة المجاز إما بذكر اللازم وإرادة الملزوم وإما بتخصيص العام وتعميم الخاص كقولهم مثلا «وحلت» للوقوع في الأمر الصعب وأصله الوقوع في الوحل خاصة، ونحو «الطلاب» للمتكفف وهو اسم فاعل للمبالغة من طلب، ونحو «مغلوب» للنحيف وهو اسم مفعول من غلب وهو لازم له غالبا، وفتيت أي قليل وهو من فتت الشيء إذا كسرته وصغرت جرمه، قال: وإن أهل غورش ينطقون بالأحرف الحلقية على حقها إلا أنهم يكسرون ما قبل الواو الساكن فيقولون مكسور ومفتوح ويضمون ما قبل الألف نحو قاعد وهلم جرا، ويقولون منكم وعليكم بكسر الكاف وهي لغة ربيعة وقوم من كلب كما في المزهر ويسمى الوكم.
وذكر من اصطلاحاتهم أنهم يعبرون عن الدخول في الفعل بلفظة «سائر» وهي نظير قول أهل الشام ومصر «رايح» فإذا قال المالطي: أنا ساير نسافر فهي كقول الشامي أو المصري: أنا رايح أسافر.
قلت: يظهر أن سائر هذه كانت مستعملة في المغرب وقد نحتوها فبقي منها سين مفتوحة، فيقولون عن شخص مثلا هو في حال الأكل سيأكل، وأحيانا يقلبونها تاء فيقولون تيأكل، ويقولون في المغرب في مثل هذه الحالة كيأكل، وأظن الكاف هنا منحوتة من «كائن» وذلك كما ينحت أهل الشام لفظة «عمال» فبدلا من أن يقول هو عمال يأكل تجده يقول: «عمياكل» وفي بعض جهات من شمالي لبنان يقلبون الميم نونا فيقولون: «عنياكل».
ثم ذكر أحمد فارس اصطلاح أهل مالطة على إدخال لفظة «تا» بين المضاف والمضاف إليه، فيقولون مثلا: «الرجل تالبيت» وذهب أحمد فارس إلى أنها منحوتة من متاع، قال: فإن أهل المغرب يدخلونا كثيرا في الإضافة ويبتدئون بالميم ساكنة على عادتهم من الابتداء بالساكن وتقصير اللفظ، ومما يؤيد هذا التوجيه أن المالطيين لا ينطقون بالعين إذا وقعت في آخر الكلمة فيقولون مثلا: تلا وقلا في طلع وقلع، قال أحمد فارس: وقلب العين ألفا أو همزة هو من أساليب العرب، كما في تفصى وتفصع، وأقنى وأقنع، والشمى والشمع، وتكأكأ وتكعكع، وزقاء الديك وزقاعه، وزأزأ وزعزع، وبدأ وبدع، والخباء والخباع وغيرها، حتى إنهم قلبوها متوسطة كما في تأرض وتعرض، ودأم الحائط ودعمه، انتهى.