وقد وقعت حادثة القديس مايول هذه في سنة 972 فصار لها دوي عظيم في الأقطار وضج لها المسيحيون الصغار والكبار وهبوا طالبين الأخذ بالثأر وكان في نواحي سيسترون
Sisteron
في قرية يقال لها نويه
Noyers
رجل نبيل يقال له: بوبون
Bebon
كان قد استنفر الناس مرارا لتخليص هذه البلاد من العرب فانتهز هذه الفرصة التي كان فيها الناس غضابا من أجل حادثة مايول فجمع كلمة الفلاحين والأعيان وسكان البوادي والحواضر ممن يغضبون للدين والوطن ثم بنى حصنا في نواحي سيسترون بإزاء حصن كان ينزله المسلمون يريد بذلك مراقبة حركاتهم حتى ينقض عليهم في أول غرة ويقتحم أول ثلمة. وحاول المسلمون أن يعرقلوا مساعي بوبون هذا فلم يفلحوا وكان الحصن الذي فيه المسلمون على رأس جبل يقال له: «بيترة انبيه»
Petra-Empia
وبينما الفريقان يداور كل منهما الآخر إذ اغتصب قائد حصن العرب امرأة الحرسي الموكول إليه باب الحصن فانتقم البواب المذكور عن هذه الفعلة بأن عرض على بوبون أن يفتح له الباب على حين غرة فيدخل إلى الحصن ويفتك بمن فيه، وهكذا تم وجاء بوبون ومعه رجاله فوجدوا الباب مفتوحا فدخلوا وذبحوا المسلمين وهم غارون ومنهم من عرض على المسيحيين أن يتنصر فهؤلاء عفوا عنهم واستحيوهم ومن جملتهم القائد، وقد جعلت الكنيسة بوبون هذا في مصاف القديسين كما يستفاد من المجموعة البولندية.
14
وفي الوقت نفسه كان أهالي غاب
15
قد ثاروا بالعرب ووثبوا عليهم واستأصلوهم.
وجاء في كتاب قديم يتعلق بهذه البلدة أن الذي جمع كلمة الأهلين وثار بهم على العرب هو رجل يقال له: غليوم فكبسوا العرب بياتا في جميع المواقع التي كانوا يحتلونها، واستأصلوا عرقاتهم وكانت مكافأة الذين قاموا بهذه الحرب أن أخذوا نصف البلدة ونصف الأراضي وتركوا النصف الآخر للمطران والكنائس، وهكذا تحررت بلاد الدوفيني وأصبح خلاص مملكة بروفنس بعد ذلك قريبا.
وإن من المؤسف أن لا تكون لدينا على هذا الحادث المهم معلومات مفصلة، وغاية ما علمناه أن غليوم كونت بروفنس هو الذي تولى كبر تلك الحرب ، ومن يدري فقد يكون هو نفسه غليوم الذي عفى آثار العرب في «غاب» فإن غاب كانت من توابع بروفنس، وكان غليوم كونت بروفنس محبا للعدل محافظا على الديانة برا برعيته فأحبه رعاياه حبا جما، ولما استنفر أهالي بروفنس ودوفيني السفلى ونيس لقتال العرب لبوا نداءه، فلما اجتمع إليه الجم الغفير منهم قصد أن ينهد إلى العرب في فركسينت، وعندما علم العرب أن أهالي البلاد ضيقوا عليهم من كل جانب نزلوا من جبالهم مجتمعين ودافعوا عن أنفسهم صفا، وأول معركة وقعت معهم وقعت في نواحي دراغينمان
Dragengman
في مكان يقال له: تورتور
Tourtour
حيث يوجد إلى الآن برج مبني منذ ذلك اليوم، تذكارا لتلك المعركة، فانهزم المسلمون والتجأوا إلى حصن منيع، ولكن المسيحيين أخذوا بمخنقهم حتى اضطروهم أن يغادروا الحصن ليلا ويلجأوا إلى الحراج المجاورة، فتأثرهم أهالي البلاد وتغلبوا عليهم، فقتل أكثرهم، وأخذ الباقون أسرى
16
وجميع من وقع في الأسر أو استسلم من المسلمين عفوا عنه كما أنهم لم يقتلوا المسلمين الذين كانوا ساكنين وادعين في القرى المجاورة، ومن هؤلاء من تنصر واندمج في الأهالي، ومنهم من بقي مسلما ولكنه أصبح رقيقا مستخدما إما في أراضي الأديار أو في أراضي الزعماء، وقد بقيت لهذه الأمة بقايا معروفة مدة طويلة كما سيأتي الكلام عليه.
أما سقوط حصن فركسينت فقد وقع في سنة 975 وكانت مدة بقاء هذا الحصن في أيدي المسلمين أكثر من ثمانين سنة، ولما كان هو المركز الأصلي لجميع العرب المنتشرين في داخل فرنسة وشمالي إيطالية وفي سويسرة، فلابد من أن ذلك الحصن كان ملآن بالأموال والنفائس، فوزع الكونت غليوم صاحب بروفنس تلك الأموال على الذين امتازوا بقتال العرب، وأشهرهم «جيبلين غريما لدي» الذي كان من أهل جنوة فإنه كوفئ على إقدامه بالأراضي التي كانت في منتهى خليج سان تروبيز، وممن يذكر بين المشاهير الذين جالدوا حق الجلاد بهذه الحرب مسيحي آلت إليه السيادة على مدينة كاستلان