تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 956 تم إجلاء العرب عن غرينوبل، وقد تقدم أن أساقفة هذه المدينة كانوا هجروها إلى ساندوناث من جهة فالانس، فقام أحدهم إيزاردن وجمع أكابر البلاد وقوادها واستنفرهم لقتال المسلمين، وكان هؤلاء يملكون أخصب النواحي وأجود الأراضي فتقرر أن كل إنسان يكون نصيبه من هذه الأراضي بقدر بسالته وإقدامه، فلما تمكن الأهالي من إجلاء العرب عن غرينوبل ووادي غرازيفودان تقاسم المقاتلون للعرب تلك البقاع التي كانت بيدهم بحسب درجة انغماسهم في الحرب، ومن ذلك جاءت ثروة بعض العائلات القديمة في مقاطعة دوفيني ومن جملتها عائلة إينارد

Aynard

التي يقال: إن أصل ثروتها من تلك الحرب الصليبية، وبعد أن استصفى الأسقف إيزورن تلك البلاد ومحا آثار العرب فيها أعلن عن نفسه أميرا على غرينوبل وعلى الوادي، وحفظ خلفاؤه تلك الإمارة مدة طويلة وبقي جانب من امتيازاتهم إلى زمن الثورة الإفرنسية.

فالقارئ يرى أن أمور المسلمين في تلك الأصقاع كانت قد أخذت تتراجع إلى الوراء، وأن ذلك التقهقر كان يزيد طمع الأهالي في التخلص منهم تماما، ففي سنة 968 نادى الإمبراطور أوتون بهذه العزيمة وأجمع أن يستأصل شأفتهم من هذه النواحي، إلا أنه مات قبل أن يحقق وعده. وكان في ذلك العصر رجل لا يذكر اسمه إلا مقرونا بالتجلة والإكرام سواء عند الملوك أو بين الشعوب وهو القديس مايول

Mayeul

الذي كان قسيسا في بلدة كلوني

Cluny

في بورغونية، وكان قد بلغ من شهرته بالفضائل أن تحدث الناس بانتخابه لمقام البابوية، وكان هذا القديس ذهب إلى رومة لزيارة كنائسها وفي إيابه من رومة جاءت طريقه على بلاد البييمونت قاصدا الرجوع إلى ديره من جهة جبل جنيفر

Genevre

وأودية دوفيني، وكان المسلمون إذ ذاك محتلين البلاد الواقعة بين غاب

Gap

وإمبرون

Embrun

ومركزهم في الأعالي المشرفة على وادي دراك

Drac

بإزاء جسر أورسيير (ولا يزال هذا المكان معروفا إلى اليوم).

فلما وصل القديس مايول إلى ذيل الألب وجد هناك عددا كبيرا من الزوار القافلين من رومة والمسافرين قد علموا بمجيئه فانتظروه ليسيروا معه؛ إذ لم يكونوا يرجون أن تنتدح لهم فرصة خير من هذه لاجتياز جبال الألب، فتقدمت قافلة القديس وفيها هذا الجم الغفير، وما وصلوا إلى ضفاف الوادي سائرين في طريق منحصرة بين الجبل والنهر، حتى انهال عليهم العرب برشق من السهام من عل، وكان العرب نحوا من ألف مقاتل ولم يكن للمسيحيين مفر، فأحيط بهم ووقع أكثرهم في الأسر، وكان من جملة الأسرى القديس مايول، وقد جرح في يده وهو يذب عن أحد رفاقه؛ فسيق الأسرى إلى مكان على حدة، وكان أكثرهم فقراء لا يطمع الإنسان من ورائهم في مغنم فدنا العرب من القديس وسألوه عن درجة يساره، فأجابهم القديس بأنه من قوم أغنياء ولكنه خرج من جميع أملاكه ووقف نفسه على عبادة ربه وهو الآن راهب في دير ذي أملاك وأراض واسعة فتساوموا معه على فدية تبلغ ما يساوي ألف ليبرة من الفضة أو ثمانين ألف فرنك من المعاملة الحاضرة، وطلب العرب من القديس أن ينفذ رفيقه إلى دير كلوني ليحمل إليهم المال وضربوا له موعدا قالوا له: إن فات هذا الموعد ولم يروا المال فإنهم يقتلون القديس وسائر الأسرى فكتب القديس إلى الدير قائلا: إلى آباء كلوني والإخوان الذين فيه مايول المسكين أسير مكبل بالقيود ... إلخ. فلما وصل هذا الكتاب ارتفع البكاء والعويل من كل جانب وأسرعوا بجمع الأموال واستجادوا أكف ذوي الحمية وجردوا الكنيسة من زخرفها، وأرسلوا كل ما وقع في أيديهم من المال لفكاك القديس ومن معه من الأسرى، فوصل المال قبل انقضاء الأجل وأطلق المسلمون سراحهم.

وكان القديس في أثناء وقوعه في الأسر قد حاول أن يرشد المسلمين قائلا لهم: إن الذي يعتقدون به لا يقدر أن يخلصهم من العذاب ولا ينفعهم بشيء، فعندما سمعوا منه هذا الكلام هاجت حفيظتهم وشدوا وثاقه وصاروا به إلى أحد الكهوف وحبسوه فيه ثم إنهم عادوا فسكنوا ورجعوا إلى معاملته بالحسنى، وكان إذا اشتهى الطعام جاء أحدهم وغسل يديه وأصلح له طعاما شهيا ووضعه بين يديه بكل أدب، وكان مع القديس نسخة من التوراة، فجاء أحد المسلمين ومد يده إليها بدون احترام، فلامه رفاقه وقالوا له: إن هذا كتاب مقدس ونحن معاشر المسلمين نقدس جميع الكتب السماوية، وبهذه المناسبة قال أحد كتاب ذلك العصر: إن المسلمين يحترمون مثلنا أنبياء العهد القديم ويرون المسيح نبيا كبيرا وإنما يجعلونه على كل حال أصغر من محمد بقولهم: إن محمدا كان خاتم الرسل وهم يقولون: إن محمدا هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٦٣