وكان هناك طبيب من أهل طليطلة، عظيم الفراسة، لحظ عدم خروج أحد من المدعوين، فسأل الأهالي: هل رأيتم أحدا من المدعوين إلى الحصن خرج منه؟ فأجابوه: يجوز أن يكونوا دخلوا من هذا الباب وخرجوا من الباب الآخر. فقال لهم الطبيب: بل أظن أنهم لن يخرجوا أبدا وأنه أتى عليهم القتل. وقال ابن عذارى: إن عدد القتلى يوم الخندق هذا بلغ سبعمائة. وقال النويري وابن القوطية: إنهم أكثر من خمسة آلاف، ولكن من بعد هذه الواقعة سكنت الثورة في طليطلة مدة طويلة. انتهى كلام دوزي.
فهذه كانت عقبى غرام أهل طليطلة بالانتقاض، وعمروس الإسبانيولي هذا الذي دبر هذه المكايد هو الذي خدع أيضا قواد الفرنسيس وتسلم منهم المواقع التي كانوا فيها، ولا يبعد على رجل كهذا، غدر ذلك الغدر بأهل وطنه، أن يغدر بالفرنسيس.
ولننظر الآن إلى رواية المؤرخ كوندى الإسبانيولي، قال: إن الحكم لم يتمتع طويلا بالراحة التي كان وطد أطنابها بتعبه وجهاده، ففي سنة 801 مسيحية وفق 185 هجرية تحرك ملك أشتورية وأراد التجاوز على المسلمين، ولما كان يعلم نفسه أضعف من أن يقدر عليهم استنجد بشارلمان، وهذا أسرع لنجدته مؤملا بذلك الاستيلاء على ولايات إسبانية الشمالية وضمها إلى مملكته، فجعلت أمداد شارلمان تثوب إلى الإسبانيول تحت قيادة ولده لويس ملك أكيتانية، فزحف لويس واستولى على مدينة جيرونة، وجاء فحاصر برشلونة، وانضم إليه بهلول بن مخلوق من عمال أمير قرطبة، وسار بالفرنسيس إلى طرطوشة، فزحف الحكم بنفسه ومعه عمروس ومحمد بن مفرج قائد الخيالة الذي كان عظيم الاعتماد عليه نظرا لدهائه وإقدامه.
ولما وصل إلى سرقسطة ثارت الثورة في طليطلة بما أحرج الأهالي من عسف يوسف بن عمروس الذي كان قبض عليه الأهالي لسوء ملكته فيهم، فاستدعى السلطان والده عمروس، وعهد إليه نظرا لدربته ودهائه بولاية طليطلة، وأرسل ولده يوسف قائدا على تطيلة.
ثم أغار الحاكم على نابارة وبنبلونة ودخل وشقة، فخشي الأذفونش على بلاده وحشد عساكره، وزحف إليه يوسف بن عمروس فأوقعه الأذفونش في كمين وأخذه أسيرا، فدفع عليه أبوه فدية جسيمة حتى أنقذه، وأما الحكم فكان يتوقد صدره إحنة على بهلول عامله الذي انحاز إلى الفرنسيس ومشى بين يديهم، ولما عرف أنه في جوار طركونة عمد إليه من فوره، ولم يزل في أثره حتى ثقفه في طرطوشة بعد أن هزمه، واحتز رأسه، ورجع الحكم إلى قرطبة بدون أن يتعرض لبرشلونة، وذلك خوفا من الفشل في حصارها.
أما حصار الإفرنج برشلونة فقد أجمع المؤرخون أنه كان من أندر ما عرف التاريخ شدة وصبرا، وأن مسلمي برشلونة صبروا في هذا الحصار إلى الحد الذي تتحير فيه العقول، ولكن الخلاف وقع بين المؤرخين في الأطوار التي دخلت فيها تلك الحرب، فبعضهم قالوا، كما في تاريخ متس وتاريخ ريجينون وغيرهما: إنه في سنة 797 قدم أمير برشلونة العربي على شارلمان، وبعد ذلك في سنة 801 أراد خلع طاعته، فأخذ أسيرا ونفي. وهؤلاء المؤرخون يسمونه تارة «زاتون»
Zaton
وطورا «زادو»
Zaddo
وأحيانا «زاد»
Zaad ، ولعل اسمه سعدون أو سعد، وفي تاريخ الملك لويس الحليم ورد أن سعدون هذا وقع أسيرا في سربونة، وأنه بعد أسره تولى إمارة برشلونة ابن عم له، اسمه عامر، فدافع عن البلدة دفاعا يتقاصر عنه كل وصف مدة سنتين، تحمل في أثنائها مسلمو برشلونة من ضيق الحصار ما يعجز أي قبيل عن تحمله.
وذهب مؤرخون منهم مارمول
Marmol
إلى أن الرواية الصحيحة هي أن سعدون أو سعدا كان تابعا لملك قرطبة فانتقض على سلطانه فأرسل إلى شارلمان يعده بالدخول في طاعته، وفي سنة 797 و798 دخل فعلا في طاعة شارلمان، ولكن شارلمان بعد سنتين من هذا العهد شعر بأن أمير برشلونة نقض طاعته، فسرح إليه جيشا تحت قيادة ولده لويس فحاصر برشلونة واستفتحها ثم انصرف عنها، فجاء أمير سرقسطة واستردها، ولكن لويس عاد ثانية سنة 806 فاستولى عليها وعلى أعمالها، فالروايات تختلف في كيفية استيلاء الفرنسيس على برشلونة، ولكن خلاصتها واحدة وهي أن العرب خسروا بلاد كتلونية مذ ذلك الوقت، وأنه تولى عليها في البداية أمراء تابعون لفرنسة ثم لم يبرحوا حتى استقلوا عنها وعن العرب معا.