تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن كل هذا لم ينقع غلتي ولم يشف ما بي من أمر الأندلس، وبقيت بعد معرفتها بالقلم متشوقا إلى مشاهدتها بالعيان والتجوال فيها بالقدم، استزادة من معرفة أخبارها واقتصاص آثارها، ووفاء بواجب ازديارها، وما زلت أحدث نفسي برحلة أقوم بها في تلك الديار التي ترك لنا عنها آباؤنا أجمل تذكار، وتعوقني العوائق عنها، وتعترضني الأشغال من دونها، وأنا أخشى أن توافيني المنية قبل تحقيق هذه الأمنية إلى أن يسر الله هذه الرحلة منذ ثلاث سنوات، والأمور مثل النفوس مرهونة بالآجال، وكنت موطنا النفس على السفر إلى الأندلس في ربيع سنة 1348 وفق سنة 1930 فجدت شئون وطرأت طوارئ اقتضت أن نراجع جمعية الأمم في جنيف مراجعات مستمرة قضت علي بأن لا أفارق جنيف في تلك الآونة، بحيث إنه أقبل الصيف يسحب من ذيله، وجاء الحر هاجما برجله وخيله، فأخذ بعض الإخوان يشيرون علي بتأخير الرحلة إلى الشتاء التالي أو إلى الربيع الذي وراءه ذهابا إلى أن السياحة في إسبانية لا تلائم في أيام القيظ لا سيما القطعة الأندلسية التي أنا قاصدها، فلم يكن ذلك ليغير من نيتي ولا ليرخي من مشدود طيتي؛ لأني لم أبرح في هذه المسألة منذ ثلاثين سنة أمني بها النفس، وكلما حدا سائق بدا عائق، ونحن نعتمد على التأخير والتسويف ونعلل النفس بشتاء وصيف وربيع وخريف، وقد عرفنا أكثر البلاد الأوربية ولم تبق مدينة فيها إلا دخلناها، وربما بدل المرة الواحدة مرارا، وقتلنا أحوالها درسا واختبارا، ولم يبق من أوربة ما لم نعرفه سوى الأصقاع الإسكندنافية في الشمال والبلاد الإسبانية في الجنوب، فأما الأولى فإنه يجوز لمثلنا أن يعرفها كما أنه يجوز له أن لا يعرفها إذا عاقته العوائق عن معرفتها، ولكن الأندلس التي نحن إليها منذ نعومة الأظفار ونقرأ عنها بل نؤلف الأسفار، فإنه لا يجوز لمثلنا أن يتأخر عن السفر إليها، ونحن لا نزال أنضاء أسفار بين الأقطار، وعليه انتهزنا هذه الفرصة، واغتنمنا من وقتنا هذه الخلسة قاصدين إلى الأندلس عن طريق فرنسة التي حصلنها على رخصة المرور بها أياما معدودات، وذلك أنه لما كان الغرض الأصلي من الرحلة اقتراء آثار العرب كيف حلوا، وأنى ارتحلوا من هذه الديار الغربية كان لا بد لنا أولا من زيارة فرنسة التي كانت للعرب فيها جولة، بل كانت لهم في جنوبيها دولة وصولة، وطالما عصفت ريحهم ببلاد الإفرنجة بعد أن عصفت ببلاد القوط والجلالقة والباشكنس وغيرهم من أمم الغرب التي خفضوا دعائمها ونقضوا مرائرها، وكادوا يلحقون بأولها آخرها، وها أنا ذا أحدث عن سياحتي:

في 18 يونيو قبل الظهر من سنة 1930 فصلت من لوزان قاصدا إلى باريس فوصلت إلى تلك العاصمة ليلا، وكان قد عرف بقدومي شابان من نخبة أدباء المغاربة: السيد أحمد بلافريج من ذوائب بيوتات الأندلسيين في رباط الفتح، والسيد محمد الفاسي من آل الجد الفهريين الأندلسيين من أعيان فاس، فما نزلت من القطار حتى وجدتهما أمامي في المحطة وركبنا معا إلى فندق أورليان پالاس في شارع برون “Bonlevard Brune”

وتحدثت إليهما في موضوع رحلتي، وكان ذلك قبل ميعاد عطلة الدروس التي كانا يريدان بعدها السفر إلى وطنهما فاتفقنا على أن يوافياني إلى «مجريط» ليرافقاني في بعض هذه السياحة، وبعد ذلك بأيام قلائل مرا علي بالفعل؛ إذ أنا في فندق رومة في عاصمة الإسبانيول، وكان في اليوم التالي من وصولي إلى باريس أقبل علينا أولادنا الطلبة السوريون، وأنسنا بلقائهم واجتمعنا مع فئة من نخبتهم في المطعم العربي الذي بقرب الجامع، وبعدها ذهبت أنا والسيدان محمد الفاسي وأحمد بلا فريج إلى مكتبة غوتنر المتخصصة بالكتب الشرقية حيث اشتريت بعض كتب عربية أكثرها يتعلق بالأندلس، وصادف أني لدى نزولي في أورليان بالاس وجدت صديقي الحميم حسين رءوف بك بطل الدارعة حميدية الشهير، ورئيس نظار أنقرة سابقا، وناظر البحرية العثمانية من قبل، فسررت بلقائه كثيرا لأن آخر العهد بيننا كان في الأستانة سنة 1924، وكذلك جاء لزيارتي هناك رحمي بك الذي كان واليا لأزمير أيام الحرب الكبرى، وكان من أركان جمعية الاتحاد والترقي في تركيا، وهو من أعز إخواني وإخوان ابن عمي الأمير أمين مصطفى أرسلان، فكانت لي بغير ميعاد فرحة عظيمة بالاجتماع بهذين الخليلين اللذين طال عهدي بلقائهما، وذهبنا إلى المطعم العربي فأوصينا على مطاعم مغربية، وسمعنا من شجي ألحان الموسيقى العربية ولا سيما الألحان الأندلسية، وسمرنا أجمل سمر وكانت ليلة كلها سحر، وبعد إقامة خمسة أيام بباريز ركبت القطار الحديدي إلى تولوز «طلوزة» وجاء لوداعي إلى المحطة جمهور من شبان العرب بباريز وهتفوا في المحطة: فليحيا العرب.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٣