تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا وقد رأيت أن أتوج هذا الكتاب باسم الملك العربي الصميم منزعا ونسبا، ذؤابة بيت الرسول الكريم وحسبك بذلك شرفا وطهرا وأما وأبا، الذي وقف نفسه الأبية على خدمة أمته العربية عاملا لنهضتها بعد ربضتها، ومجاهدا في ربوتها بعد كبوتها فيصل بن الحسين ملك العراق والرافدين، أطال الله أيامه ونصر أعلامه وسدد آراءه وأحكامه، وأبلغه من مجد العرب مرامه، وذلك بالاتفاق مع أخويه الإمامين الهمامين العاهلين العادلين ملكي الجزيرة العربية في هذا العصر، المكتوب لهما فيه بإذن الله التمكين والنصر، الإمام يحيى بن محمد بن حميد الدين صاحب مملكة اليمن السعيدة، والملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود صاحب الدولة العربية السعودية، أيدهم الله جميعا لتأييد هذه الأمة وصيانة ذمارها، وألهمهم دوام الائتلاف والاتحاد لما به تجديد مجدها وإقامة عثارها، حتى يعود أمرها كما بدا وترجع أيام عزها جددا، وما ذلك على الله بعزيز.

| ملحق بالمقدمة

بقلم شكيب أرسلان

جنيف 14 جمادى الثانية 1352

قد كنت حررت هذه المقدمة منذ أشهر قلائل والملك فيصل في الحياة والأمة العربية تستمد حياتها السياسية من حياته، وتبني معظم آمالها على أصيل آرائه ومنصور راياته، وقبل أن بوشر طبع هذا الكتاب اختار الله هذا العربي الكبير لجواره، وكانت بموته الفادحة التي لم يرزأ العرب بمثلها، وقامت نوادبهم وسالت مدامعهم في كل غور ونجد من أجلها، فلم نشأ أن نغير شيئا من مقدمة هذا الكتاب بل أبقيناه متوجا باسمه كما لو كان في الحياة؛ إذ إننا لا نزال نعد فيصلا حيا في القلوب والخواطر وإن غاب بوجهه الكريم عن النواظر، لا سيما أن المرحوم كان قد سمع بخبر هذا التأليف وسألني - وا حسرتاه عليه إذ كان مؤخرا في برن - عنه وعن مباحثه وعما أمكنني الاطلاع عليه من آثار العرب في القرى السويسرية التي كان انتهى إلى سمعه أنني ذهبت إليها ونقبت فيها، وكان مهتما بهذا الموضوع مرتاحا إلى نشر هذا الكتاب، كما كان مرتاحا إلى نشر كل أثر عربي، وما كان فيصل رحمه الله إلا رمزا للقضية العربية، والرمز لا يموت عند قومه، فإذا كان فيصل قد مات فلن يموت تذكاره ولا تمحى آثاره، ولنا نعم العزاء في جلالة ولده المعظم الملك غازي الأول الذي نرتقب من هلاله بدرا ناميا، ونرجو من كرم الحق تعالى أن يجعله فيصلا ثانيا. آمين.

| كلمة بين يدي رحلتي لتتبع الآثار العربية في الأقطار الغربية

ليس بعجيب أن يكون مثلي مغرما بالأندلس وآثار العرب فيها، وفيما جاورها من الأصقاع الأوربية، فإن كل عربي صميم حقيق بأن يبحث عن آثار قومه، ويتعلم مناقب أجداده، ويتدارس معالي هممهم مع إخوانه، ويترك من ذلك تراثا خالدا لأعقابه، ولعمري إن آثار العرب في الأندلس هي غرة شادخة وهمة شامخة في تاريخ الأمة العربية، بل نقول ولا نخشى مغالطا إنها من أنفس ما أثره العرب، بل من أنفس ما أثره البشر في الأرض. فلا غرو أن يعجب بها العربي، وينقب عنها، ويشد الرحال إليها ويأخذ العبرة اللازمة منها، فليست هي الآية الناطقة والبينة القاطعة على مجدنا الماضي، وعلى ما قدرنا أن نعمله في سالف الحقب فحسب، بل هي الحجة الملزمة والآية المعجزة المفحمة على جدارتنا بالاستقلال التام، وكفايتنا إذا ملكنا الاستقلال أن نحسن الاضطلاع بالأحكام، وهي أيضا للدلالة على أننا نقدر أن نعمل في الأعصر المستأنفة ما عملناه في الأعصر السالفة إذا تركنا الأجانب وشأننا.

كنت إذن منذ ريعان شبابي وغضاضة إهابي مولعا بحضارة الأندلس العربية وآثارها، مشغوفا بتاريخها وأخبارها حتى أني منذ أربع وثلاثين سنة وهي مدة يصح أن تسمى دهرا نقلت من الإفرنسية إلى العربية رواية الكاتب الأشهر شاتوبريان المسماة ب«آخر بني سراج»، وذيلت تلك الرواية المترجمة بتاريخ للأندلس استخلصته من الكتب العربية والأوربية، وأجلت معظم قداح البحث فيه عن سقوط مملكة غرناطة، وجلاء العرب الأخير عن تلك الجزيرة؛ لأن هذه الحقبة من ذلك التاريخ كادت تكون في عصرنا مجهولة، وقد صادف ظهور هذا الكتاب مبدأ النهضة العربية فكان له في النواحي رنة نواح، وسال له من المآقي مدمع سفاح، وتجددت تذكارات أشجان، وبلغ التأثير من قلوب جميع الذين قرأوه أنهم كانوا يتلونه المرة بعد المرة شفاء لما في صدورهم، أشبه بالثكلى التي لا يشفي ما بها سوى ذرف دموعها، ولطم خدودها وتلمس آثار مفقودها، وكانت بازدياد النهضة العربية تزداد الرغبة في هذا المقام وتشرئب إلى الأندلس الأعناق، وتتحلب على ذكراها الشفاه، فأعدت من سنين قلائل طبع الرواية المذكورة «آخر بني سراج» مع ذيلها، وأضفت إليهما تاريخا قديما عن سقوط غرناطة عثرت عليه في مدينة مونيخ عاصمة بافاريا يسمى «أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر» لمؤلف لم يذكر اسمه فيه، لكنه يترجح كثيرا مما لحظنا من كلامه أنه كان ممن حضر الوقائع بنفسه أو ممن عاصر أهلها؛ لأنه يسرد أخبارها سرد من شاهدها بالعيان، أو من روى عمن شاهدها، وأظن المقري عند ما كتب «نفح الطيب» كان مطلعا على ذلك الكتاب؛ لأني رأيت في كتاب «أخبار العصر» هذا جملا كثيرة رأيتها في النفح بحروفها، نعم أعدت طبع كتابي ذاك عن الأندلس مضموما إليه هذا الكتاب الذي عثرت عليه في مونيخ غفلا من اسم مؤلفه ومعه أربعة مراسيم سلطانية من السلطان أبي الحسن علي بن الأحمر والد أبي عبد الله آخر ملوك العرب بالأندلس الذي سلم غرناطة إلى الملك فرديناند والملكة إيزابلا، وكان طبعي لهذه الكتب منذ ثمان سنوات بمطبعة المنار الشهيرة بمصر.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٢