تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال «رينو»: إلا أنه يعترضنا في هذه الروايات كون المؤرخين الذين ذكروها لم يصرحوا بأن أصحاب هذه الغارات كانوا من السرازين

151

ولا ثمة لفظة تدل على أن الذين فعلوا هذه الأفاعيل هم مسلمون بدون شك، بل كان المؤرخون يشيرون إليهم بقولهم : «فندال»

152

وطالما كانوا يطلقون هذا الاسم في النصف الأول من القرن العاشر على المجار عندما جاء هؤلاء إلى ألمانية ودخلوا إلى فرنسة واكتسحوا «الألزاس» و«اللورين» و«فرانش كونتي» و«برغونيا» و«شمبانيا» وغيرها.

ثم يعود رينو، فيقول: إنه على كل حال قد تحقق مجيء العرب إلى فرنسة وتغلغلهم في أحشاء البلاد وأنهم لم يكن لهم خطة مرسومة معينة في مغازيهم ومراميهم، وأنهم لم يجدوا في البداية من أهل فر نسة إلا مقاومة واهية وعزما غير جميع. نعم تختلف فرنسة عن إسبانية في هذا الباب بأن إسبانية وجد فيها من انضم إلى العرب وسعى بين أيديهم ودان بدينهم، وأما في فرنسة فإذا استثنينا بعض أشخاص لا يعرفون معنى للدين ولا للوطن لم يوجد من الأهالي فئة كان لها شيء من الوجاهة والنبالة رضيت بأن تنحاز إلى العرب أو أن تصبأ عن دينها، بل إنه في وسط مدينتي أربونة وقرقشونة، حيث أقام العرب مدة طويلة، بقي الأهلون متمسكين بدينهم المسيحي لا يرضون به بدلا.

وكان أود دوق أكيتانية طول هذه المدة منحرفا عن القتال، متجنبا الانغماس في الحرب؛ لأن غارات العرب كانت واقعة على أطراف بلاده ولم تكن في قلب البلاد مثل ذي قبل، وأما «شارل مارتل» فكان مشغولا بمحاربة «الغريزونيين» و«البافاريين» و«السقسون» الذين كان يخشى أن يعبروا عليه نهر الرين وينازعوه مركز سلطانه، وكان بينه وبين «أود» ما بين النظراء الذين يغص بعضهم بمكان بعض، فأما مؤرخو العرب الذين لم يكن لهم اطلاع على تلك المنافسات الداخلية بين ملوك الإفرنج فعللوا سكوت «شارل مارتل» الذي كانوا يسمونه: «قارله» عن مقارعتهم بالتعليل الآتي. قالوا: إن كثيرا من أمراء الإفرنج فزعوا إلى «قارله» وشكوا له الأضرار التي حلت بهم من عيث المسلمين في البلاد، وأوضحوا له العار الذي يلحق بها من كون جيش كالجيش العربي، مجهز بأسلحة خفيفة، يتغلب على جيوش شائكة بأثقل الأسلحة غائصة في الزرد إلى أعناقها كالجيوش الإفرنجية، فأجابهم قارله: دعوهم الآن يفعلون فإنهم في إبان صولتهم أشبه بالسيل الذي يجرف كل ما يقف في وجهه، وهم اليوم قد اتخذوا من جرأتهم دروعا ومن أقدامهم حصونا، ولكنهم بعد أن تمتلئ أيديهم من الغنائم، وبعد أن يألفوا نعيم الحضر ويستولى الطمع عليهم فينافس بعضهم بعضا ويدخل الشقاق في صفوفهم، حينئذ نزحف إليهم ونتغلب عليهم ونترك جمعهم شريدا وقائمهم حصيدا، وقد نقل هذا الكلام «رينو» عن المقري صاحب النفح، ونحن راجعنا المقري فوجدناه يقول في آخر صفحة 128 من الطبعة الأزهرية المصرية ما يلي:

وقال الحجاري في المسهب: إن موسى بن نصير نصره الله نصرا ما عليه مزيد، وأجفلت ملوك النصارى بين يديه حتى خرج على باب الأندلس الذي في الجبل الحاجز بينها وبين الأرض الكبيرة، فاجتمعت الفرنج إلى ملكها الأعظم قارله - وهذه سمة لملكهم - فقالت له: ما هذا الخزي الباقي في الأعقاب؟ كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتوا من مغربها واستولوا على بلاد الأندلس وعظيم ما فيها من العدة والعدد، بجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهم لا دروع لهم، فقال لهم ما معناه: الرأي عندي أن لا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فإنهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال أمرهم ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيدهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرئاسة ويستعين بعضهم على بعض فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر. قال: فكان والله كذلك بالفتنة التي طرأت بين الشاميين والبلديين والبربر والعرب والمضرية واليمانية، وصار بعض المسلمين يستعين على بعض بمن يجاورهم من الأعداء. انتهى.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٢٦