ونظن أنه في ذلك العهد كانت قد وقعت غارة العرب على مقاطعة «دوفيني»
124
وعلى مدينة «ليون»
125
وعلى بلاد «برغونيا»
126
وقد ذكر أحد مؤرخي العرب هذه الغزوات قائلا: إن الله قد قذف الرعب في قلوب الكفار، فلم يكن واحد منهم يقف في وجه المسلمين إلا لطلب الأمان، ولم يزل المسلمون يتقدمون في البلاد ويؤمنون العباد إلى أن وصلوا إلى وادي «الرون» وهناك ابتعدوا عن السواحل وأوغلوا إلى الداخل.
وقد نقل رينو هذا الكلام عن المقري، ولكن إن كان الكلام الذي نقله هنا هو الوارد في النفح فإن العبارة التي اطلعنا عليها هي هذه نقلا عن ابن حيان: إن موسى اصطلح مع طارق وأظهر الرضا عنه، وأقره على مقدمته، على رسمه، وأمره بالتقدم أمامه في أصحابه، وسار موسى خلفه في جيوشه، فارتقى إلى الثغر الأعلى وافتتح «سرقسطة» وأعمالها وأوغل في البلاد وطارق أمامه لا يمران بموضع إلا فتح عليهما وغنمهما الله تعالى ما فيه، وقد ألقى الله الرعب في قلوب الكفرة فلم يعارضهما أحد إلا بطلب صلح، وموسى يجيء على أثر طارق في ذلك كله ويكمل ابتداءه ويوثق للناس ما عاهدوه عليه، فلما صفا القطر كله وطمأن نفوس من أقام على سلمه، ووطأ لأقدام المسلمين في الحلول به، أقام لتمييز ذلك وقتا، وأمضى المسلمين إلى إفرنجة ففتحوا وغنموا وسلموا وعلوا وأوغلوا وانتهوا، حتى انتهوا إلى وادي «ردونة» فكان أقصى أثر العرب ومنتهى موطئهم من أرض العجم، وقد دوخت بعوث طارق وسراياه بلد إفرنجة فملكت مدينتي «برشلونة» و«أربونة» وصخرة «آبينيون» وحصن «لودون» على «وادي ردونة» فبعدوا عن الساحل الذي منه دخلوا جدا. انتهى.
فهذه العبارة قد تقدم نقلنا إياها في الكلام عن موسى بن نصير وطارق.
رجع إلى كلام رينو. قال: ولا نعلم في الحقيقة الأمكنة التي أشرف عليها العرب ذلك اليوم إلا بأخبار الاجتياح الذي وقع فيها، فإنه في نواحي «فيين»
127
على ضفاف «الرون» أصبحت الكنائس والأدبار كلها دكا، و«ليون» التي يسميها العرب «لودون» رأيت أيضا تخريب أعظم كنائسها، وكذلك شمل العيث «ماسون»
128
و«شالون»
129
وكذلك «بون»
130
حل فيها من العيث ما لا يوصف، ووصل العرب إلى مدينة «أوتون»
131
وأحرقوا كنيسة «سان نازير»
132
وكنيسة «سان جان»
133
ودير «سان مرتين».
134
وكذلك نهبوا دير «سين أندوش»
135
في «صوليو»
136
وكذلك دمر العرب دير «بيز»
137
بقرب «ديجون».
138
وقد استشهد «رينو» على هذه الحوادث بتاريخ «مواساك» من مجموعة مؤرخي بلاد الغال، وبتاريخ «الدون بلانشيه»
139
المسمى بتاريخ برغونيا وبتاريخ «غاليا كريستيانيا».
140
ويذهب بعضهم إلى أن غارات العرب قد امتدت إلى أبعد مما ذكرنا، وقالوا: إنهم بثوا سراياهم إلى جهات نهر «اللوار» وأخرى بقرب «نيفير».
141
وأخرى إلى مقاطعة «فرانش كونتي».
142
وقالوا: إن دير «سان كولمبان»
143
قد دكه العرب في تلك الغزوة، وأنهم قتلوا أكثر الرهابين والقسيسين الذين صادفوهم في «بيزانسون». قال «رينو»: وليس في هذه الروايات شيء لا يقبله العقل ولا سيما ما تعلق منها بمقاطعة «فرنش كونتي» التي فيها أسماء وآثار عربية كثيرة، وقالوا أيضا: إن الدير الذي في سفح جبال «الفوج»
144
المسمى بدير «لوكسول»
145
قد جعله العرب أيضا أثرا بعد عين، وذبحوا الرهابين الذين كانوا فيه تحت رئاسة القديس «ميلين».
146
نقل هذه الروايات «رينو» عن الأب «لكوانت»
147
ونقل أيضا عن «مابيون»
148
وقال: يظهر أن المسلمين لم يجدوا مقاومة حقيقية إلا أمام مدينة «سانس»
149
فإن هذه المدينة كان فيها مطران ينتسب إلى عائلة نبيلة، يقال له: «أبيول»
150
اشتهر بالفضائل والكمالات حتى جعلوه في مصاف القديسين، فهذا المطران عندما سمع بإيجاف العرب قاصدين بلده بدأ بتحصين البلدة، وهيأ أسباب الدفاع عنها، بحيث لما وصل العرب إليها وأخذوا يقذفونها بقذائف منجنيقاتهم كان أهاليها يرمونهم من أعالي الأسوار بأجزاء محرقة كانت تلتهب بها آلاتهم الحربية.