تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى رأسها خليفة عصر

دهره تابع له وغلام

لم يزل قائما لديه بأبوا

ب عليهن للجباه ازدحام

حيثما تهطع الملوك وتعنو

تحت تيجانها الطلى والهام

موقف تخشع النواظر فيه

وتسوى الرءوس والأقدام

قد حباه عثمان أسا متينا

مثل البيت عنده والمقام

شاب فرق الزمان وهو مكين

وتخطت مئاتها الأعوام

وغدا آلفا سهام الليالي

فلذا لا تنال منه السهام

إيه عبد الحميد إن زمانا

أنت فيه عباسه بسام

أوله نصرك العزيز وأيد

وارو مصرا له إليك أوام

أشخصت نحوك العيون حيارى

أمم الخافقين والأقوام

وتصبى القلوب منك خلال

يحرم العشق دونها والهيام

أقبل العصر يرتجيك وفي اليم

نى كتاب وفي الشمال حسام

حبذا الدولة التي صار فيها

توءمين العلوم والأعلام

هو ذا الشرق في حماك لك الأم

ر جميعا وفي يديك الذمام

هزه هزة تثوب بها الرو

ح وتحيا الآمال وهي رمام

أرهف الحد للخطوب فما ين

فع مع هذه الليالي احتشام

لم تزل أرضنا مآسد بالله

ومأوى رجالنا الآجام

إن للشرق هبة بعد نوم

أزعجته خلالها الأحلام

هبة تبعث الحمية في النا

س كما يبعث الخمار المدام

يسأل الغرب عندها الشرق هل جا

ءك روح تحيا به الأصنام

ترسل الكهرباء فيها شعاعا

ويرى للبخار فيها ركام

وتشب النيران في كل أرض

فتعود النيران وهي سلام

إنما تثلج الصدور بسلم

حينما يوقد الصدور ضرام

يا إمام الهدى هنيئا وأولى

أن يهنى بالعيد عنك الأنام

إن أحاول على علاك ثناء

فهو مما قضى علي الذمام

أو أعارض فتى القريض فما عا

رض ورد الحدائق القلام

ذا مجال رضيت فيه من السب

ق بعزم لم يثنه الإحجام

وإذا كان بدع وصفك سمطا

جاء عفوا من القريض النظام

إن يوما به الجلوس تجلى

هو يوم خدامه الأيام

كفر الدهر فيه عن كل ما جر

فلم يتجه عليه ملام

جاء ختما لطارقات الليالي

فاختلافاتها إلينا لمام

ليس يلحى على أواليه عصر

بمعاليك طاب منه الختام

ولم أجاذب أخي شوقي الحبل إلا في هذه القصيدة، ولم أنس أن أشير فيها إلى المعارضة معترفا بأن الدر لا يعارض بالحصى، وذلك عند قولي:

أو أعارض فتى القريض فما عا

رض ورد الحدائق القلام

وقد وجد مع هذا من رجح قصيدتي على قصيدته، ومنهم الشاعر الأديب داود بك عمون الذي صار فيما بعد الحرب رئيسا لحكومة لبنان، وهو من أترابي في السن، وقد تذاكرت وإياه في موضوع هذه المعارضة، فرأيته يستحسن قصيدتي على قصيدة شوقي، فقلت له وأين أنت من قوله:

ما كلام الأنام في الشمس إلا

أنها الشمس ليس فيها كلام

فقال لي: وأنت جعلت بإزاء هذا البيت قولك:

وفعال الضرغام أوقع في النف

س من القول إنه الضرغام

وعلى كل حال فلست أدعي سبق شوقي في هذا الميدان، وأنا الذي أقول فيه في القصيدة التي قلتها في يوبيله:

وفرت يا شوقي السباق على الورى

برئاسة بات السباق وراءها

تتقطع الأعناق عن إدراكها

حتى الأماني لا تحوم إزاءها

ولكن مما لا مرية فيه أنني أنا منذ أيام الشباب قلما نظمت الشعر رغبة فيه ونزوعا مني إلى الاتصاف بالشاعرية بعكس النثر الذي كان أبدا مرمى آمالي ومطمح خيالي. وسألني مرة إبراهيم بك المويلحي الكاتب المشهور عندما اجتمعنا في الآستانة سنة 1890 فقال لي: أيهما أفضل عندك النظم أم النثر؟ فأجبته: لا مقايسة عندي بينهما، إني أفتخر بأن أكون كاتبا وأستحي من أن أكون شاعرا. فاستحسن المويلحي هذا الجواب الذي لا شك أني بالغت فيه، ولكنه كان يعرب عن ذات صدري؛ لأنني طول حياتي لم أحاول أن أكون في الشعر سباق غايات وطلاع أنجد على حين أني كنت أرى منتهى السعادة في الدنيا في أن أكون من الكتاب المعدودين، وقلما نظمت الشعر انبعاثا من نفسي وإطاعة لمجرد خاطري، فليس لي على هذا الوجه إلا قصائد معدودات، وكل ما عدا ذلك من شعري إنما نظمته قياما بواجب أو امتثالا لرسم أو نزولا عند رغبة؛ ولهذا تجد أكثر شعري مراثي للأصحاب أو للأعلام الذين لا مناص من رثائهم، وسيظهر ديواني قريبا إن شاء الله، فيقف القراء منه على تحقيق كلامي هذا.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨