جو لجسم من غير روح مآلا
والذي بالبلاد غيرك داء
صيرته بنو البلاد عضالا
وإذا عاكس الزمان بلادا
جعل الأهل حربها والنكالا
نام قومي عن المعالي ورامو
ها فكان النصيب منها خيالا
حسبوا العيش غيبة واضطغانا
وسكونا إلى المنى واحتمالا
وإذا كانت النفوس صغارا
علقت بالصغائر الآمالا
وله في الخديوي قصيدة ميمية من بحر السريع أراه يعارض بها محمود سامي في قصيدة من البحر والقافية، ومطلع قصيدة شوقي:
هل تيم البان فؤاد الحمام
فناح فاستبكى جفون الغمام
ومنها:
يا خير من سن خلال الوفا
وخير من زكى وصلى وصام
يهزك الإسلام مهما دعا
مؤيدا منك بعضب حسام
أنت لهذا الدين ما يشتهي
ظل له ضاف وركن جسام
مولاي ذا شهر الصيام انقضى
أحياكم الله إلى كل عام
فأما قصيدة محمود سامي فليست في ديوانه المطبوع؛ لأن الجزء الثاني انتهى بحرف اللام، ولم أعلم أنهم طبعوا جزءا ثالثا، وإنما يجد الإنسان هذه القصيدة في «الوسيلة الأدبية» للمرصفي، وهي ليست تحت يدي في هذه الساعة ، ولا أزال أتذكر من قصيدة البارودي هذه بيتين في منتهى البداعة:
يا ليتني في السلك حرف سرى
أو ريشة بين خوافي الحمام
حتى أوافي مصر في ليلة
أقضي بها في الله حق الذمام
ولشوقي في الجناب الخديوي:
أمغتنم الفرصات بشراك بالغنم
فما دانت الأوطان إلا لذي هم
وقل لدخيل في المعالي يريدها
بلا بدل أملت صيدا ولم ترم
ومنها ما رمى به شوقي أبعد شأو المرتمي في الفخر والبأو، وقد جاز هنا الحد الذي اقتنع به في قصيدته الدالية التي سبق الاستشهاد ببعض أبياتها:
فلا حكمتي دعوى ولا منطقي هوى
ولا مبدئي لؤم ولا قلمي وغد
فإنه في هذه القصيدة الميمية يقول:
إذا أنا لم تكفل لي الخلد حكمتي
ولم ألتمسه في بياني وفي علمي
فلا استرجعت بي الضاد بنيان مجدها
ولا لقيت بي العصر في البذخ الجم
البذخ محركة هو المجد، ثم يقول:
ولا جاز شعري النيرات ولا اعتلى
لسدة عباس الفتى العلم النجم
جعل شعره فوق النيرات ومع هذا فهي من دون سدة الممدوح، ثم يقول:
ومهلا رويدا في الكمالات والحجى
فما أعطي الناس النبوة بالحلم
وخف لعباد الله أن يتوهموا
فرب يقين للعقول من الوهم
تحاول من دنياك ما أنت عارف
وتصحب أحوال الزمان على علم
وتظهر في عز من الصدق باهر
إذا التمست أعداؤك العز في الإثم
يداري أناس بالجراءة طيشهم
ويتعب قراء العواقب بالحزم
ثم يقول:
وعرشيكما ما خنتما الحق مرة
ولا حدتما عن حكمة الله في الحكم
ولكن تهيج الحاسدين علاكما
وهيهات يبقى الفرقدان بلا خصم
ولا شك أنه يشير إلى ما كان يقع بين الممدوح وبين الأحزاب في مصر من التضاد والتشاد، وأي بلاد لا تصاب بمثل هذه الفتن؟ وشوقي على كل حال شاعر الأمير لا يفتأ ينضح عنه بشعره، وربما كان لسانه أرد عن ممدوحه من جيش، وأمضى من سيف، فإن يكن الخديو قد أغرق شوقي بالإنعام والإحسان فقد أثنى شوقي عليه ثناء حسان على غسان؛ ففاز كل منهما بطلبته، فلم يكن شوقي إذن على مذهب محمود سامي الذي يقول:
الشعر زين المرء ما لم يكن
وسيلة للمدح والذام
قد طالما عز به معشر
وربما أزرى بأقوام
فاجعله إما شئت في حكمة
أو عظة أو حسب نام
واهتف به من قبل تسريحه
فالسهم منسوب إلى الرامي
نعم لم يكن محمود سامي لينظم إلا في الغزل والنسيب والفخر والحماسة ووصف الوقائع والحكم والمواعظ والرثاء والإخوانيات والزهديات والطرديات، وغير ذلك من مقامات الشعر المختلفة حاشا المديح؛ فقد كان يتجنبه ما أمكن، وإذا مدح فإنما يمتدح من كان من أقرانه أو إخوانه، ولم أجد له مديحا لكبير إلا الخديو إسماعيل يوم جلس على أريكة مصر، وكان ذلك سنة 1279؛ أي أيام كان محمود سامي في ريعان شبابه، ورأيت له في ديوانه أبياتا امتدح بها الخديو السابق بعد رجوعه من سرنديب، وكذلك قصيدة في تهنئة الخديو توفيق بالجلوس على الأريكة الخديوية سنة 1297 فشعر البارودي في المديح لا يكاد يذكر وهو في جانب ديوانه ثمد في جانب بحر، وقد وصف البارودي الشعر في إحدى قصائده فقال: