تفوق شوقي بأشعاره
جميعا فكل يتيم فريد
وما دمت تجتاز أرجاءها
تعود بكل طريف جديد
توالي الهتاف لدى كل بيت
ألا إن ذلك بيت القصيد
إذا هو أبكى فزاد المعاد
وإن هو غنى فأنس الوجود
ولكن قصائد شوقي اللواتي
لهن سجل بلوح الخلود
فداء «لمرثية» قالها «بعبد العزيز» العزيز الشهيد
أعار الرثاء جلال الفقيد
فأصبح هذا لهذا نديد
وقد كان من قبل هذا مبينا
بشأو محال عليه المزيد
تكاد لإحراز أقوال شوقي
تكون المنايا أماني الفقيد
وأتذكر أني حررت كلمات أيضا أبين فيها محاسن تلك المرثية، ثم بعد أن وصلت إلى الحجاز غاصت هذه الأبيات وهاتيك الكلمات في لجج أوراقي الزاخرة؛ فلم تقدر يدي أن تصل إليها وظننتها ذهبت أصلا، وبينما أنا أفرز أوراقي في هذه الأيام إذ عثرت على الأبيات المرقومة بقلم رصاص، وترددت ساعة في نشرها قائلا لنفسي إن النظم والنثر بعد مضي مناسبته أشبه باللحم البائت أو الخبر الغاب الذي تذهب طراوته، ولكن فكرة النشر بعد تساؤل النفسين قد غلبت بحجة أن كلاما يتعلق بشوقي لا يزال غضا طريا وأن مناسبة شوقي لا تخلق ديباجتها أبدا.
أما الكلمات التي حررتها في محاسن تلك المرثية التي كل من المرثي (نضر الله وجهه) والراثي (أطال الله عمره) كانا من أعز الناس علي وأحبهم إلي من بين جميع البشر فبقيت ضالة لما تظفر يدي بها.
وأتذكر أني أشرت إلى نكات بيت فيها لا سيما ذلك البيت الذي وصف الموت والنقل والدفن منذ وجد الخلق وشطره الثاني: ... ... ... ...
قيام بتلك الصحاري قعود
وأما البيت الذي فيه وصف أجساد الموتى، وشطره الثاني: ... ... ... ...
وكم من قروح وكم من صديد
فلم أحبه على ما فيه من صحة، وقد ذكرت عنه أنه يليق بأن يتلى على مائدة رهبان في دير، فإن من عادة هؤلاء إذا جلسوا إلى طعام أن يجعلوا أحدهم يقرأ عليهم من الزهديات والمحزنات وذكرى الموت وأمامه جمجمة. •••
ومما لا يجوز أن أغفله من تاريخ علاقاتي مع شوقي أنه في سنة 1328 سألني سليم أفندي سركيس عن رأيي في شعراء العصر لينشر هذا الرأي في مجلته، فلم أجد بدا من إجابته بمقال نشره في مجلة سركيس، ثم أعاد نشره بعد ذلك بسنوات في جريدة المؤيد، وقد كان سبب إعادة هذا الفصل في المؤيد أنه بينما كنت في مصر قاصدا الجهاد في طرابلس الغرب ألقى علي أحد الأدباء في المؤيد سؤالا يستنطقني فيه عما أراه من طبقات الشعراء المعاصرين، فاستعفيت تلك النوبة من الجواب حتى لا أقع في مشكل المفاضلة بينهم وأنا على سفر إلى برقة وعندي من الهموم بمسألة طرابلس ما يشغلني عن الشعراء والحكم أيهم أشعر. نعم أجبت السائل بكليمات في المؤيد قلت له فيها: لماذا هذا السؤال؟ أفزامر الحي لا يطرب؟
وكان مرادي بذلك من طرف خفي أنه ما دام شوقي في مصر، فلماذا يسألون عن أشعر الشعراء.
إلا أن سركيس قام ونشر في المؤيد جملة أشار فيها إلى مقالتي الأولى التي كان قد أثبتها في مجلته وأعاد نشرها في المؤيد، وهي هذه ...
| رأي المؤلف في أشعر الشعراء
كلام عن المتنبي ووجه الشبه بينه وبين شوقي
حضرة صاحب مجلة سركيس
سألتموني رأيي في الشعراء؛ فأشعر الشعراء عندي هو محمود سامي ثم شوقي ثم حافظ، وهؤلاء الثلاثة في هذا العصر هم السابقون في حلبة الشعر الفائقون في إجادته، بل هم أشبه بالثلاثة الماضين أبي تمام الشعر ومتنبيه وأبي عبادته، بل هم اليوم لات الشعر وعزاه ومناته، والذين رجحت لهم على غيرهم بيناته، وأحب أن أشبه البارودي بأبي تمام في علو نفسه وقوة ملكته ومتانة أسلوبه، وأن أشبه شوقيا بالمتنبي في دقة معانيه وسمو حكمه وكثرة جوامع كلمه، كما أن حافظا يشبه البحتري في سلاسة لفظه وحسن سبكه وتأثيره في النفس، وهو وإن لم يعل علو شوقي في بعض أبياته، فإن عامة شعره أطلى من عامة شعر شوقي، وغاية ما يقال فيهما أن جيد شوقي أحسن من جيده وأن هذا أعلى وذاك أطلى.