تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ناد القريحة ما استطعت نداءها

إن الحقوق لتقتضيك أداءها

مهما ينل منها الجمود فإن من

إعجاز أحمد ما يفجر ماءها

مهما تراكمت الغيوم بأفقها

فاليوم عندك ما يعيد جلاءها

لا تعتذر عنها بكر نوائب

سدت عليها نهجها وسواءها

فأهم ما همت السحاب إذا مرت

هوج العواصف درها وسخاءها

والحك يستوري الزناد وإنما

تربى الصوارم بالصقال مضاءها

والرمح يكسب بالثقاف متانة

والخيل يظهر عدوها خيلاءها

حاشا القرائح أن تضن بودقها

ما دام شوقي كافلا أنواءها

الشاعر الفذ الذي كلماته

ضمن النبوغ على الزمان بقاءها

أنست فصاحته أوائل وائل

وغدت هوازن مع ثقيف فداءها

في كل كائنة يزف قصيدة

تؤتي جميع الكائنات بهاءها

غدت المعاني كلها ملكا له

فأصاب منها كل بكر شاءها

وكسا اللسان اليعربي مطارفا

هيهات ينتظر الزمان فناءها

ستخلد الأوطان من تكريمه

ذكرى تطبق أرضها وسماءها

لو أنصفت لغة الأعارب قدره

صلت عليه صباحها ومساءها

من كل موضوع أصاب شواكلا

بلغت بمقتلها الصدور شفاءها

يبكي «شكسبير» على أمثالها

ويبيت «غوته» حاسدا علياءها

ولو أن آلهة الفصاحة عندهم

أدركن شوقي خففت غلواءها

صناجة الشرق الذي نبراته

تجلو المشارق عندها غماءها

في كل حرف من حروف يراعه

وتر يثير سرورها وبكاءها

ما حل بالإسلام بأس ملمة

إلا ورجع شعره أصداءها

يبدي فظاعتها ويوسع هولها

وصفا ويذكر داءها ودواءها

كانت قصائده لبعث بلاده

صورا أراد من البلى إحياءها

وأرى الليالي لا تعزز أمة

إن لم يكن سواسها شعراءها

كم أثبت التاريخ في صفحاته

أمما غدا إنشادها إنشاءها

ضلت لعمري في الحياة قبيلة

لم تصطحب أفعالها أسماءها

والعرب لا تبدأ بجمع جموعها

إلا سمعت نشيدها وحداءها

أكرم بأحمد شاعرا وافى لنا

في روح أحمد حاملا سيماءها

أتلو قصائده فتملأ مهجتي

فرحا يزيل همومها وعناءها

وأظل مفتخرا بها فكأن لي

دون الأنام ثناءها وسناءها

نخلت له نفسي مودة وامق

وفى عهاد عهودها إنماءها

تعزو إلى لخم متانة أصلها

وتمز من ماء السماء صفاءها

1

لا ترتجي منها التمائم ثلمة

كلا ولا توهي الهنات بناءها

ناشدت شعري أن يفي بمودتي

وأراه يعجز أن يجيء كفاءها

قد صار عهدي بالقريض كأنه

دمن تقاضتها الرياح عفاءها

أدعو فلا يأتي الذي أرضى به

والشعر أن تجد النفوس رضاءها

والشعر ما رسم الضمائر ناثلا

منها الكنائن نافجا أحناءها

والشعر ما ترك المعاني مثلا

فتكاد تلمس بالأكف هباءها

وهناك نفس مرة ما تأتلي

تملي علي من العلى أهواءها

إن لم تجدني في العجاجة أولا

نكرت علي ثلاثها وثناءها

وفرت يا شوقي السباق على الورى

برياسة بات السباق وراءها

تتقطع الأعناق عن غاياتها

حتى الأماني لا تحوم حذاءها

تالله أعطيت الرياسة حقها

وعقدت حبوتها ونلت حباءها

وبذذت أهل العبقرية كلهم

وبززت جنة عبقر أشياءها

لما رأيتك قد نزحت قليبها

ألقيت عني دلوها ورشاءها

فاسعد بعرش إمارة الشعر التي

ألقت إليك لواءها وولاءها

وتهن وابق لأمة عربية

لا زلت قرة عينها وضياءها (2) أبيات للمؤلف أيضا

ولما توفي الأستاذ فقيد الإسلام الشيخ عبد العزيز جاويش رثاه شوقي - رحم الله الراثي والمرثي - بقصيدة من قصائده التي كانت تشرق وتغرب ويعجب بها كل عربي ومستعرب، فإذا بأحد الأدباء ينتقد تلك المرثية انتقاد متعنت، وإذا بأديب آخر ينافح عن شوقي. فأملى علي هذا الجدال في تلك القصيدة القطعة الآتية المنشورة في عدد 28 ذي الحجة سنة 48 من جريدة الشورى وهي:

بييتات كانت ضالة فوجدت

كنت في أثناء سفري إلى الحجاز أقرأ على ظهر الباخرة مجلات وجرائد، فبينما أنا أقرأ إذ مر بي انتقاد لأحد الأدباء يخطئ به «شوقي» في أبيات من رثائه لفقيد الإسلام المرحوم الشيخ جاويش، ثم اطلعت على رد لأحد الفضلاء الناخعين يدافع به عن شوقي ويبين صحة قوله. فأما القصيدة فهي كسائر شعر شوقي الذي لا يدري أيه أحسن، بل كلما قرأ الإنسان منه شيئا ظنه هو سيد شعره، فإذا انتقل إلى غيره ظن هذا هو السيد، وهكذا إلى أن ينتهي من شعره وهو لا يعلم أوله خير أم آخره. ولا جدال في أن مرثية أمير الشعراء للأستاذ جاويش نور الله ضريحه كانت من عيون قصائده، ولما انتهيت منها كتبت على حاشية مكتوب ما يأتي بقلم رصاص على البديهة:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٣٨