وقالوا كثيرا: الفاعلية والمفعولية والشاعرية وهلم جرا.
وأما استعمال شوقي بك البرهة بمعنى هنيهة فهو استرسال إلى اصطلاح العامة أو عدم تحقيق.
ومثله الصدفة بمعنى المصادفة؛ فقد غلب استعمال الناس لها وهم لا يعلمون أنها عامية، وأما استعمال «العائلة» بمعنى الأسرة فهو وارد، وتخطئة البيان له مع قوله: كأنها تصحيح قول العامة «عيلة» وكلتاهما لا تأتي بهذا المعنى، إنما يقال عيال الرجل وعيله بالتشديد، فهذا فيه نظر وهو من الحريري في درة الغواص، وقد تعقبوه بما أظهر خطأه، وروي من الحديث «أتخافين العيلة وأنا وليهم.» وفسروه بالعيال، والأرجح أن يكون أطلق على أسرة الرجل العيلة التي هي الفقر لكونهم سبب الفقر كما قيل: قلة العيال أحد اليسارين.
هذا ويجوز أن تكون عائلة بمعنى معولة وليست هذه بأول مرة ورد فيها فاعل بمعنى مفعول؛ فقد قالوا: ساحل بمعنى مسحول، سحله ماء البحر وهلم جرا.
وأما «الهوادس» فالحق فيها مع البيان إلا أن تكون غلطة طبع.
نصل إلى قول شوقي بك في التاريخ المصري: «إن الحقيقة معه لا يستقر بها خبر، فهي عين تارة وأثر، تموت بحجر وتحيا بحجر.»
أقول: هذه عبارة شبيهة بالشعر لكنها من أبلغ ما قرأت في الكلام العربي وأتأسف أن يكون البيان تعمد مثلها في الانتقاد.
ومعناها ظاهر؛ إذ لا يخفى أن التاريخ المصري القديم مبني على الآثار الحجرية والكتابات الهيروغليفية، وأن معظم معول المؤرخين لأعصر الفراعنة هو على هذه الحجارة لفقدهم القرطاس فيه، فبينما يتقرر عند المؤرخين شيء يظنونه الحقيقة الأخيرة بما يطلعون على كتابة في حجر أو نقش على عمود؛ إذ انكشف لديهم حجر آخر كان مدفونا جاء فيه ما لا ينطبق على الأول أو ما فيه زيادة عليه، فتغيرت تلك الحقيقة وانقلب ذلك التاريخ.
ولهذا كان ينكشف منه كل يوم شيء جديد، وصح أن يقال: إن حجرا من هذه الحجارة يحيي لقديم مصر تاريخا وإن حجرا يميته، ولا أرى هذه الجملة في شيء من الطلاسم والرقى كما قال البيان، وأعتقد أنها لا تشكل على أحد، فأما إن كان أغاظ البيان حذفه إحدى التارتين من قوله: «فهي عين تارة وأثر»، فالخطب يسير ولا بأس به لأجل الإيجاز ورشاقة الجملة مع قيام الدليل على التارة المحذوفة.
وأما اعتراض «ما عساي ناولتك مما فات التفاتي قدره»، فأوافق البيان فيه من جهة التعمية على أن قوله: عساي ناولتك يتضمن معنى لعلي ناولتك، فقد حكى الأزهري عن الليث أن عسى تجري مجرى لعل.
وأما قوله: «مرتين لا متتاليتين ولا متعاقبتين»، فهو غامض أيضا.
وأما «تتلاشى متوارية وتتوارى متلاشية»، فهو جائز.
وأما عبارة «حوار الماء والتيار»، فلم أعلم ماذا سبقها وما هو المراد منها، ولكنها على كل حال مبهمة، وأما جملة «كان الفصل نيلا خفيفا ثقيلا جفيفا بليلا» إلى آخر ما ذكر، فهي بالشعر أليق منها بالنثر.
وأما «فرغت الزجاجات ولم يفرغ من الشراب»، فالمعنى فيه ظاهر وهو أنه لا يفرغ من طلب الشرب. أما قوله: «تركه شيئا ليس بالحي»، فلا أعلم ماذا تقدمه وماذا تأخر عنه؛ لأني لم أظفر بالرواية مجموعة، وما هو منثور منها في الجريدة لم يحفظ عندي، وإنما أقول: إنه إن كان ما بعد «ليس بالحي» قوله: ولا الميت، فهو مقبول وإلا فلا.
وأما «أجهد أذنيه»، فإن كانت بغير معنى أتعب سمعيه فلا تأتي.
غير أن قوله: «أخذ النوم يطمئن بمقاعده من الأجفان» فضلا عن كونه ليس محلا للاعتراض، فهو كلام شعري بديع.
وأما «ارتجال النظر» فهو غريب، ومثله ارتجال النور ولا مسوغ لذلك، فإن كان بعض فحول البلاغة من كتاب الإفرنج وشعرائهم مثل بوسويه وهوجو مثلا قيل عنهم إنهم كانوا يرتجلون الألفاظ لمعانيهم ويسخرون اللغة لمقصودهم، وكان الناس لا يكبرون عليهم هذا الأمر بما بهرهم من فصاحتهم وبلاغتهم فلم يكونوا يأتون ما أتى من هذا القبيل عند وجود المناسبة بين اللفظ والمعنى، وأي مناسبة هنا؟