وكقولهم: إنه قد يكون للدلالة على زيادة مطلقة لا مقيدة نحو قولهم: يوسف أحسن إخوته، وكما قالوا إن أفضل إخوته بمعنى أفضل الإخوة على حد قوله تعالى:
يتلونه حق تلاوته ؛ أي حق التلاوة، وأنشدوا قول عبد الرحمن العتبي:
يا خير إخوانه وأعطفهم
عليهم راضيا وغضبانا
وناهيك أن نحويا كابن خالويه أجاز هذه العبارة، ولا نظن أديبا مثل شوقي بك، قد رأينا ما رأينا له من الآثار الدالة على سعة اطلاعه في العربية يقدم على هذا الاستعمال إلا وهو يرى رأي الذين أجازوه، ويستحيل أن يكون مثله لم يمر بهذه الاعتراضات وردها.
وأخذ البيان على قوله: «وأمتنهم أعلاقا في القلوب.» وذلك بأن الأعلاق جمع علق بالكسر؛ وهو الشيء النفيس، وأن حقها أن تكون علائق، وقد استغربنا وايم الله صدور ذلك عن لغوي ثقة مثل الشيخ، والأعلاق تأتي جمعا لغير العلق بالكسر فتأتي جمعا للعلق بالتحريك.
والعلق يأتي بمعنى البكرة وأداتها.
وبمعنى الحبل المعلق بالبكرة.
وبمعنى الرشاء مطلقا، وأنشد له في لسان العرب: عيونها خزر لصوت الأعلاق.
وأظن أن في هذه الألفاظ كلها من معنى العلاقة والتعليق ما يسوغ لشوقي أن يقرنها بالمتانة في معنى ارتباط القلوب.
وأما كون «أجذبهم بأزمة الرأي العام» من المواضعات الإفرنجية درجت عليها الجرائد في هذه الأيام، وليس كل ما تأتي به يجوز اتباعه، فلنشرح هذه الجملة: أما «جذب الزمام» بنفسه فلا يجادلنا البيان بأنه عربي مبين.
فلم يبق إلا عبارة «الرأي العام» وهي مترجمة عن لغات الإفرنج لشيوع هذه العبارة عندهم وعدم وجود ما يسد مسدها عندنا بالتمام، ولننظر ماذا يوجد فيها من المخل بالفصاحة: أما الرأي فهو الرأي لا ريب فيه.
وأما اتصافه بالعام فهو كاتصاف البلاء مثلا بالعام، فيقال: بلاء عام وبلاء شامل.
ويقال: أمر عمم، ويفسره أهل اللغة بأنه تام عام.
ويقول شاعر الجاهلية:
يا ليت شعري عنك والأمر عمم
ما فعل اليوم أويس بالغنم
فإن كان يقال: أمر عمم، فلماذا لا يقال: رأي عام وأي إثم فيها؟
وقولك بمعناها «أهواء النفوس» لا يؤدي حقيقة المقصود من قولهم «الرأي العام».
ومن العجب أن يعترض على مثلها البيان، وهو الذي يكتب في «اللغة والعصر» ويدعو إلى وجوب الوضع قضاء لحاجة العصر ووفاء بالمعاني الحديثة التي لم تكن عند العرب. على مخالفة رأيه هذا لما عليه جمهور أهل اللغة من أن اللغة سماعية لا قياسية، فكيف يعترض بعدها على «الرأي العام»؟ وليس فيها خروج عن المألوف ولا وضع جديد ولا صوغ ولا نحت.
وأنت لو طالعت الكتب العربية، خصوصا كتب العلم والحكمة، لم تجدها خالية من استعمالات كثيرة تساقطت - والله أعلم - إلى العرب من لغة اليونان والفرس أيام ترجمة كتبهم لعهد العباسيين؛ فالعربي القديم لم يسلم من هذه المواضعات فما ظنك بالعربي الحديث وقد أغارت عليه المعاني الأعجمية من كل جهة حتى اختلط الحابل بالنابل.
حتى إن «البيان» نفسه على نقاء لغته لا يسلم منها حين يقول في العدد الأخير الذي صدر فيه الانتقاد «رزئ العالم الأدبي»، فهي عبارة عصرية محضة مترجمة بالحرف عن الإفرنجية، وليست من أساليب امرئ القيس ولا الأعشى، ولا من تراكيب الإمام علي ولا المخضرمين، بل ليست من المولد، وإنما هي من أوضاع الجرائد السيارة.
ومثلها استعمال «البيان» مثلا «تنازع البقاء» عصرية محضة، وتعابير كثيرة ليس هنا محل سردها.
أما قول شوقي بك: «مدين لنصحها الثمين»، فليس بمعذور فيه عذره في «الرأي العام» التي جرت مجرى الأعلام.
غير أني عجبت جدا من أخي شوقي كيف لامني على مثلها أيام اجتماعنا بباريز،
2
ثم عاد هو إلى استعمالها حال كوني أنا تركتها بالمرة إكراما للعربية ولخاطره، فماذا طرأ عليه حتى صار يأتي الآن ما كان ينهى عنه؟
وأما «باحوا بسر المأمورية»، فلا يمكن لي أن أعد المأمورية مما لا يصح استعماله، والنسبة إلى الأسماء من صفة وموصوف إذا لحقتها التاء تفيد المصدرية فيقال: عجبت من حجرية هذا؛ أي من صلابته.