لدى كل قوم كان أولى المكارم
تهيبهم فيها العدو مهاجما
فجاء دبيب اللص في ليل قاتم
ولين في إقباله من إهابه
وهل يخدع الإنسان لين الأراقم
فثاروا وما كانت أرانب رومة
من الغرب أكفاء الليوث الضراغم
ونعم سقاة الموت هم كلما بدت
بروق المواضي في رعود الغماغم
وحسبك منهم كل قوم نمتهمو
أرومة قحطان ونبعة هاشم
وكم وقفوا يستنصفون عدوهم
وهزوا من الأملاك جذع المراحم
فلما رأوا عجز الدليل تطلبوا
لدى الصارم البتار صدق التراجم
فلم يك مثل السيف كاليوم قاضيا
ولا العهد مثل الآن أحلام حالم
وما طال نوم السيف إلا تنبهت
عيون الدواهي منه عن جفن نائم
أخلاي سوق للمنايا مقامة
تباع حفافيها غوالي الجماجم
فهل لكمو في سوق بر ورحمة
تنالون فيها باقيات المغانم
غياثا لمظلوم ونصرا لصارخ
وضمدا لمجروح وقوتا لصائم
كفى بالهلال الأحمر اليوم هاديا
لمن حار في ليل من الشك داهم
وأكرم بأم المحسنين التي طمى
جداها كلج العيلم المتلاطم
سليلة «إلهامي» فمن كل جانب
لها نسب نحو البحور الخضارم
وأجدر بقوم أمطرتهم هباتها
بأن يأملوا قرب انفراج المآزم
وحاشا بلادا أنتمو عن يمينها
يفت بأعضاد لها ومعاصم
لقد حوصروا برا وبحرا وأمطروا
بحمر المنايا من سواد الغمائم
وقد طالما أرهفت حد يراعتي
فلما تعالى الخطب عدت لصارمي
أجل إننا من أمة عربية
نكافح عنها عاديات الأعاجم
ولو أنصف الأقوام في حقهم رأوا
مؤاساتهم فرضا على كل آدمي
قال شوقي لأحد أصحابه بعد الانصراف إنه كان في أثناء إنشاد المنشد لقصيدته لا يفكر إلا بي. وقلت أنا لأحد أصحابي: إني كنت متمثلا شوقي من أول إنشادي إلى آخره.
| سفر المؤلف إلى حرب طرابلس
وذهبت بعدها إلى برقة وبقيت في الجهاد زهاء ثمانية أشهر ورجعت في رمضان، فعيدت في الإسكندرية وأنا ضيف على الجناب الخديوي في سراي رأس التين. (1) مشاهدته لشوقي بعد رجوعه منها وذلك في سراي رأس التين
وشاهدت شوقي نهار العيد عندما اكتظت السراي بوفود المهنئين، وبعدها لم أشاهد شوقي إلا في الآستانة لأول نشوب الحرب الكبرى.
فسنة إعلان الحرب الكبرى كان الخديوي السابق في الآستانة، كما لا يخفى، فأطلق عليه الرصاص شاب مصري من الوطنيين المتهوسين فجرحه عدة جراحات، وذلك أمام الباب العالي، والحرس الأتراك الذين كانوا بجانب مركبة الخديوي أنحوا على ذلك الشاب المصري بالسيوف فقرطبوه وقتلوه في الحال. وهي قصة ليس موضعها هنا ولكننا أشرنا إليها لمناسبتها مع اجتماعي بشوقي في الآستانة؛ فإنه بعد هذه الحادثة قدم إلى الآستانة عدد كبير من المصريين ليعودوا الجناب الخديوي ويظهروا للدولة اهتمامهم به، وكان من هؤلاء أحمد شوقي شاعره وربيب نعمته. (2) التقاء الأخوين في استانبول في أول الحرب العامة
فبينما أنا مرة في باخرة تسير في البوسفور؛ إذ صادفت أخي شوقي فسررت بهذه المصادفة، وقال لي إنه كان يريد أن يقابلني لأجل مسألة ذات بال. قلت له: وما المسألة؟ فقال لي: أنت تدري هذا الحادث الفظيع الذي وقع مع الخديوي، وتدري أيضا أنه ساء تأثيره في مصر، وإن الذين لا يحبون الخديوي هم أنفسهم امتعضوا من هذا الحادث، وسواء كانت الدولة لا تعلم أسرار هذه الواقعة أو كانت على علم بها فإن الواجب عليها أن تتلافى هذا الأمر جمعا لكلمة الأمة وتفاديا من الفرقة بين الآستانة ومصر. فقلت له: كل هذا عندي مسلم، فماذا تريد أن أصنع لك؟ (3) اقتراح شوقي على المؤلف عيادة السلطان للخديو
قال لي: إن الخديو لا يزال في فراشه يعاني آلام جراحه، وإنه يليق بمولانا السلطان أن يجبر خاطره الكسير بعيادته له في قصره بالشبوقلي، وليس في هذا ما يحط من قدر السلطان، بل فيه ما يستنطق كل الأفواه بالثناء عليه والدعاء له، وما الخديوي إلا أمير من أمرائه، بل هو أكبر أمرائه؛ فزيادة تشريف السلطان للخديو تعود على السلطان نفسه. وأبدى شوقي وأعاد في هذا الأمر، وقال لي: كل من حادثتهم في هذا الموضوع أجابوني أنه ليس لهذه المسألة غيرك، فإن لم تقدر عليها أنت فلن يقدر عليها أحد. فأجبته بكل إيجاز: بعد يومين تعال إلي فأخبرك بما عملت وأنا معك في هذه الفكرة.