كم بطل مات ولم يسمر
تحت هلال الرحمة الأحمر
وأتى عليها كلها وهي كسائر شعر الخليل، دقة معنى ورقة شعور وجزالة لفظ وعلو طبقة، وما كان لقب الخليل بشاعر القطرين تجوزا ولا تسامحا. وأبديت له ملاحظة على بيت من تلك القصيدة فأسرع بتغييره. فأما أنا وشوقي فكنا لم ننظم شيئا لتلك الحفلة، وسألنا الخليل عما إذا كنا سنقول شيئا، فقال كل منا: ما هيأت شيئا. إلا أننا بعد أن انصرفنا وجئت أنا إلى مركز الهلال الأحمر وجدت المكان خاليا وقلت لأستفيدن من هذا السكون وأنظم بضعة أبيات بالأقل، فلما بدأت بالنظم انبعث بي الشعر وانثالت علي الأبيات كأنها تنحدر من صبب، فما مضت ساعة إلا وهي في يدي قصيدة تامة. وأصاب شوقي ما أصابني كما حدثني فيما بعد؛ وهو أنه انتبذ موضع مناجاة بعث به الشعر فنظم قصيدة كما نظمت أنا بدون أن تكون سبقت له نية، ولما جئنا ملهى الأوبرا جئنا نحن الثلاثة وكل منا قصيدته في جيبه، وكان الخليل قد علم منا أننا لم نهيئ شيئا، فما راعه إلا وأنا أنشد قصيدتي وأحد الشعراء ينشد من بعدي قصيدة شوقي.
| حفلة السوق الخيرية
التي أقيمت لمعاونة مجاهدي طرابلس وقصائد شوقي والمطران والمؤلف.
أما قصيدة المطران فليست تحت يدي لأثبتها في هذا الكتاب، وأما شوقي فقال ما يلي:
جبريل هلل في السماء وكبر
واكتب ثواب المحسنين وسطر
سل للفقير على تكرمه الغنى
واطلب مزيدا في الرخاء لموسر
وادع الذي جعل الهلال شعاره
يفتح على أمم الهلال وينصر
وتول في الهيجاء جند محمد
واقعد بهم في ذلك المستمطر
يا مهرجان البر أنت تحية
لله في ملأ كريم خير
هم زينوك بكل أزهر في الدجى
والله زانك بالقبول الأنور
حسنت وجوهك في العيون وأشرقت
من كل أبلج في الأكارم أزهر
كثرت عليك أكفهم في صوبها
فكأنها قطع الغمام الممطر
لو يعلمون «السوق» ما حسناتها
بيع الحصى في السوق بيع الجوهر
جبريل يعرض والملائك باعة
أين المساوم في الثواب المشتري؟
ومجاهدين هناك عند معسكر
ومن المهابة بين ألف معسكر
موفين للأوطان بين حياضها
لا يسمحون بها وبين الكوثر
عرب على دين الأبوة في الوغى
لا يطعنون القرن ما لم ينذر
ألفوا مصاحبة السيوف وعودوا
أخذ المعاقل بالقنا المتشجر
يمشون من تحت القذائف نحوها
لا يسألون عن السعير الممطر
في أعين الباري وفوق يمينه
جرحى نجلهم كجرحى خيبر
من كل ميمون الضماد كأنما
دم أهل بدر فيه أو دم حيدر
جذلان هينة عليه جراحه
وجراحه في قلب كل غضنفر
ضمدت بأهداب الجفون وطالما
ضمدت بأعراف الجياد الضمر
عواده يتمسحون بردنه
كالوفد مسح بالحطيم الأطهر
وتكاد من نور الإله حياله
تبيض أثناء «الهلال الأحمر» •••
يا بنت «إلهامي» دعاء معظم
لسماء عزك في البرية مكبر
توفيق مصر وأنت أصل في الندى
وفتاكما الفرع الكريم العنصر
أنتم جمال الشرق زين ملوكه
لا زال بيتكم جمال الأعصر
لكم الندى آثاره وحديثه
شغل السميع ونور عين المبصر
النيل فجر مشرعين وعيلما
وتفجرت يمناك خمسة أبحر
أحييت في فضل الملوك وعزهم
ما مات من أم الخليفة جعفر
إن الذي قد ردها وأعادها
في بردتيك أعاد في البحتري
فنظمت ما نثرت يمينك شاكرا
لا يحسن الإحسان ما لم يشكر
إني رأيت على الرجال مظاهرا
فعلمت أن الفضل كل المظهر
وعلمت أن من النساء ذخيرة
غير الثناء لنفسها لم تذخر
لما توليت الهلال رفعته
بين السها شرفا وبين المشتري
ولكم دعوت نساء مصر لصالح
فنهضن فيه يقلن عائشة اؤمري
فكأنهن عقائل من هاشم
وكأنك الزهراء فوق المنبر
وأما قصيدتي فهي هذه:
سلا هل لديهم من حديث لقادم
من الغرب يروي فيه غلة هائم
وهل وردتهم عن كريم مقامه
سمان المعالي في لطاف النسائم
وهل نظروا من نحو برقة موهنا
فلاحت لهم منها بروق الصوارم
تألق في ليلي ظلام وقسطل
فتنشئ سحب الدمع من طرف شائم
مواطن إخوان تملوا من الردى
كئوسا تساقوها بملء الحلاقم
دفاعا عن الأوطان إن دفاعها