وودعت الجناب الخديوي وذهبت إلى الإسكندرية، ومنها ركبت السكة الحديدية إلى مريوط، ومن آخر محطة لها ركبنا الخيل أنا ومن معي من أتباعي الذين حضروا معي من جبل لبنان. وكانت جمعية الهلال الأحمر المصري قد عهدت إلي بقيادة قافلة ستمائة جمل موقرة أرزاقا للمجاهدين في برقة، وخصصت منها لي ولجماعتي الذين معي محمول ثلاثين جملا موقرة من كل شيء من مأكول وملبوس. فعندما وصلت إلى طبرق لقيت في ذلك الموقع أدهم باشا الحلبي، وتركت في طبرق جانبا من الأرزاق للمجاهدين، ولما وصلت إلى معسكر عين منصور المشرف على درنة؛ حيث كان القائد العام أنور بك، سلمت البعثات المصرية من الهلال الأحمر ما خصت به من نقود وأرزاق وحوائج، ولما وصلت إلى معسكر بنغازي الذي كان أميره عزيز بك علي المصري سلمت الباقي للبعثات المصرية التي هناك، وكان منها الدكتور حافظ عفيفي.
أما محمول الثلاثين جملا الذي خصصه الهلال الأحمر ولجنة الإعانة بي أتصرف به كيف شئت فقد وزعته على مشايخ الزوايا السنوسية مثل سيدي العلمي الغماري شيخ زاوية البراعصة، وسيدي محمد الغزالي شيخ زاوية ترت، وسيدي الدردفي شيخ زاوية شحات وغيرهم، وأهديت جميع ما بقي إلى أنور باشا ولم أستأثر لنفسي بشيء. وكذلك كانت لجنة الإعانة خصصت لي مائتي جنيه لنفقتي الخاصة فوزعتها إعانات وهدايا لأجل تطبيب خواطر المجاهدين، وبقيت أنفق على نفسي من صلب مالي الذي كان معي مذ برحت منزلي في جبل لبنان.
ولما رجعت إلى مصر بعد قضاء سبعة أشهر في موطن الجهاد كان قد نفد كل ما معي من النقود، فلم أراجع الجناب الخديوي حسبما وعدته بل أرسلت إلى أهلي بأن يبعثوا لي ما يقوم بأودي؛ لأنني كنت ذاهبا إلى الآستانة لمذاكرة الدولة في قضية طرابلس، وكيف يجب ألا تقطع إمدادها لها بالطرق الممكنة حتى بعد عقد الصلح مع إيطاليا. (4) استطراد آخر
ليس هذا من موضوع شوقي في شيء، ولكنه جاء استطرادا بسبب يعذرني الناس فيه، وهو أن كثيرا من الحساد لا يزالون يتشدقون بأني بقيت في سويسرة عدة سنوات أقبض ثلاثين جنيها في الشهر من الخديوي السابق، ويجعلون هذه القضية مطعنا يحاولون به شفاء إحنة صدورهم. والحال أن الخديوي السابق نفسه يعترف بأنه هو الذي أرادني على قبول هذا المرتب الذي كان يراه ضئيلا بالنسبة إلى نفقاتي في القضية العربية الإسلامية عامة، وأنني أنا مع ذلك اعتذرت له بادئ ذي بدء عن قبول هذا الراتب، وما وطنت النفس على قبوله إلا بما شاهدت من إلحاحه ومن إلحاح صديقي سليمان بك كنعان اللبناني الذي كان يسفر بيني وبين سمو الخديوي السابق، ويبين لي أنه ليس من الطمع في شيء أن يرضى مثلي بمكانه من قضايا عامة معلومة عند كل أحد، وفي هذه الغربة المتمطية بصلبها بقبول مساعدة أمير كبير ذي ثروة طائلة جلس على كرسي إمارة مصر 23 سنة.
وكذلك لا ينسى الخديوي السابق أني لما ودعته في سراي القبة قاصدا موطن الجهاد في برقة اعتذرت عن قبول أي رفد منه رغم ما راودنيه على القبول، ومع معرفتي أنه لا يعيب مجاهدا ذاهبا يقاتل عن قطر متصل بمصر أن يقبل مساعدة من عزيز مصر.
وليس هذا الحديث بذي صلة مع ما نحن بسبيله لولا ما لا يزال الحساد يثرثرون به في هذا الموضوع بكرة وأصيلا، وما يزالون يذيعونه لدى من لا يعرفني في بلادي من أني لا أملك شيئا ولا أقدر أن أعيش أنا وعائلتي من وارداتي الخاصة. وهذا هو أيضا بهتان صريح مخالف للمحسوس يعلمه جميع أهل وطني، فلست أدعي كوني من ذوي الثروة المعدودة، ولكن ليس بصحيح أني لا أقدر أن أعيش أنا وعائلتي من ريع عقاراتي وأملاكي. إنه لمستهجن جدا الخوض في أحاديث كهذه، ولكن تحامل الحساد وتتبعهم العورات يحملان المرء أحيانا على تعقب أكاذيبهم ولو على كره منه، وأعود إلى شوقي فأقول ...