وهؤلاء اليابانيون هم وثنيون، ومنهم من هم على مذهب بوذا، ومنهم من يقال لهم: طاويون، وكثيرون منهم يتبعون الحكيم الصيني كنفوشيوس، ولقد مضى عليهم نحو ألفي سنة ولم تكن لهم هذه المدنية الباهرة ولا هذه القوة والمكانة بين الأمم، ثم نهض اليابان من نحو ستين سنة وترقوا وعزوا وغلظ أمرهم، وعلا قدرهم، وصاروا إلى ما صاروا إليه ولم يبرحوا وثنيين.
فلا كانت الوثنية إذا سبب تأخرهم الماضي ولا هي سبب تقدمهم الحاضر، وقد تفاوت اليابان والروسيا وتحاربتا فتغلبت اليابان على روسيا؛ مع أن اليابانيين في العدد هم نصف الروس، ولكن مما لا شك فيه أن اليابانيين أرقى من الروس، والحال أن روسية عريقة في النصرانية، واليابان عريقة في الوثنية.
فليترك إذا بعض الناس جعل الأديان هي المعيار للتأخر والتقدم.
5
أفنقول من أجل هذا المثال: إن الإنجيل هو الذي أخر روسيا عن درجة اليابان، وإن عبادة الآلهة ابنة الشمس هي التي جذبت بضبع اليابان حتى سبقت روسيا؟!
إن لهذه الحوادث أسبابا وعوامل متراكمة ترجع إلى أصول شتى، فإذا تراكمت هذه العوامل في خير أو شر تغلبت على تأثير الأديان والعقائد، وأصبحت فضائل أقوم الأديان عاجزة بإزاء شرها، كما أصبحت معايب أسخفها غير مؤثرة في جانب خيرها.
ولسنا هنا في صدد أسباب تقدم اليابان السريع حتى نبين أن اعتقاد عامتهم (وجود حصان مقدس يركبه الإله فلان) لم يقف حائلا دون تقدمهم المبني على ما ركب في فطرتهم من الحماسة، وما أوتوا من الذكاء، وما أورثهم نظام الإقطاع القديم من التنافس في المجد والقوة.
وعندنا أمثلة كثيرة تكاد لا تحصى في هذا الباب اجتزأنا منها بما ذكرناه، ولم نكن لنتعرض لهذا المقام لولا حملات القسوس والمبشرين وكثير من الأوروبيين على الإسلام، وزعمهم أنه عنوان التأخر، وأنه رمز الجمود، وتحدثهم بذلك في الأندية والمجامع ونشرهم هذه الافتراءات في المجلات والجرائد، وقولهم: إن الشجرة تعرف من ثمارها، وإن حالة العالم الإسلامي الحاضرة هي نتيجة جمود الإسلام، وتحجر القرآن.
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .
6
وحسبك أن المسيو سان (المقيم الإفرنسي السامي) في المغرب ينشر في العدد الأخير من (مجلة الأحياء) الإفرنسية مقالة يتكلم فيها على يقظة المغرب بعد (ليل الإسلام)! هكذا تعبيره.
فإن كان تأخر إحدى الممالك الإسلامية حقبة من الدهر يجب أن يقال فيه (ليل الإسلام) فكم كان ليل النصرانية طويلا عندما بقيت أوروبة المسيحية زهاء ألف سنة وهي في حالة الهمجية أو ما يقرب من الهمجية.
إن إدخال الأديان في هذا المعترك وجعلها هي وحدها معيار الترقي والتردي ليس من النصفة في شيء، أما الإسلام فلا جدال في كونه هو سبب نهضة العرب وفتوحاتهم المدهشة مما أجمع على الاعتراف به المؤرخون شرقا وغربا، ولكنه لم يكن سبب انحطاطهم فيما بعد كما يزعم المفترون الذين لا غرض لهم سوى نشر الثقافة الأوروبية بين المسلمين دون ثقافة الإسلام، وبسط سيادة أوروبة على بلدانهم، بل كان السبب في تردي المسلمين هو أنهم اكتفوا في آخر الأمر من الإسلام بمجرد الاسم، والحال أن الإسلام اسم وفعل.
| هوامش
| حث القرآن على العلم
باعث للمسلمين على سبق الأمم في الرقي
العالم الإسلامي يمكنه النهوض والرقي واللحاق بالأمم العزيزية الغالبة إذا أراد ذلك المسلمون ووطنوا أنفسهم عليه، ولا يزيدهم الإسلام إلا بصيرة فيه وعزما، ولن يجدوا لأنفسهم حافزا على العلم والفن خيرا من القرآن الذي فيه:
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .
1
والذي فيه:
وزاده بسطة في العلم .
2
والذي فيه:
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم .
3
والذي فيه:
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط .