تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42

وقوله:

فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .

43

أفبمثل هذا تكون طاعة الله ورسوله؟ أم بمثله تكون أخوة الإيمان وولايته وولاية أهله؟

أو لمثل هؤلاء يعد الله العز والنصر والتمكين في الأرض، وهم سعاة بين أيدي الأجانب على ملتهم ووطنهم وقومهم؟! كلما عاتبهم الإنسان على خيانة اعتذروا بعدم إمكان المقاومة، أو باتقاء ظلم الأجنبي، أو بارتكاب أخف الضررين؟ وجميع أعذارهم لا تتكئ على شيء من الحق، ولقد كانوا قادرين أن يخدموا ملتهم بسيوفهم، فإن لم يستطيعوا فبأقلامهم، فإن لم يستطيعوا فبألسنتهم، فإن لم يستطيعوا فبقلوبهم،

44

فأبوا إلا أن يكونوا بطانة للأجانب على قومهم، وأبوا إلا أن يكونوا روادا لهم على بلادهم، وأبوا إلا أن يكونوا مطايا للأجانب على أوطانهم، وتراهم مع ذلك وافرين ناعمي البال، متمتعين بالهناء وصفاء العيش، وهم يأكلون مما باعوا من تراث المسلمين، وينامون مستريحين، مثل هؤلاء ليس لهم وجدان يعذبهم من الداخل، ولا نجد من المسلمين من يجرؤ أن يعذبهم من الخارج.

45

لم نكن لنطلق الكلام إطلاقا على العالم الإسلامي في هذا الموضوع، فإن الأمة الأفغانية مثلا لا يمكن أحد أن يخطب فيها في حب الأجانب علنا ويبقى حيا، والنجديون لا يوجد فيهم من يجرؤ أن يمالئ الأجانب على قومه، والمصريون قد ارتقت تربيتهم السياسية كثيرا عن ذي قبل؛ فأصبحت مجاهرة أحدهم بالميل للأجنبي، أو تفضيل حكم الأجنبي خطرا عليه، فأما في سائر بلاد الإسلام فمن شاء من المسلمين أن يخلع الرسن ويجاهر بالعصيان لعدو دينه وبلده فلا يخشى شرا، ولا يحاذر قلقا ولا أرقا.

أفلمثل هؤلاء يقول الله تعالى:

وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا .

46

حاشا لله تعالى أن يكون عني بهؤلاء «المسلمين» الذين يخونون ملتهم، ويسعون بين يدي أعدائها، ويناصبون إخوانهم العداوة؛ ابتغاء مرضاة الأجانب والحصول على دنيا زائلة وحطام فان، كيف وقد قرن الإيمان بلازمة؛ وهو عمل الصالحات؟ بئسما شروا به أنفسهم، وكذلك لا يعني الله بهؤلاء المسلمين الذين إن لم يكونوا خامروا على قومهم، وسعوا بين أيدي الأجانب في خراب أمتهم، وأوطئوا مناكبهم لركوب الغريب الطامح، فإنهم اكتفوا من الإسلام بالركوع والسجود، والأوراد والأذكار، وإطالة السبحة والتلوم في السجدة، وظنوا أن هذا هو الإسلام، ولو كان هذا كافيا في إسلام المرء وفوزه في الدنيا والآخرة لما كان القرآن ملآن بالتحريض على الجهاد، والإيثار على النفس، والصدق والصبر، ونجدة المؤمن لأخيه، والعدل والإحسان، وجميع مكارم الأخلاق، ولو كان هذا كافيا لأجل التحقق بالإسلام لما قال الله تعالى:

قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين .

47

أفيقدر أخونا الشيخ بسيوني عمران أو غيره أن يقول: إن المسلمين اليوم - إلا النادر الأندر والكبريت الأحمر - يفضلون الله ورسوله على آبائهم وإخوانهم وأزواجهم وتجارتهم وأموالهم ومساكنهم، أو يؤثرون حب الله ورسوله - وإنما حب الله ورسوله إقامة الإسلام - على الجزء اليسير من أموال اقترفوها وتجارة يخشون كسادها؟

لنعمل هذه التجربة، فبضدها تتبين الأشياء.

الموازنة بين المسلمين والنصارى في البذل لنشر الدين

لنفرض أن مسألة تنصير البربر دخلت في طور النجاح، وانتدب البابا الكاثوليكيين الذين في العالم لبذل الأموال اللازمة لهذا التحويل الذي تتوخاه فرنسة في البربر من دين الإسلام إلى دين النصرانية، فكم مليونا تظن من الجنيهات يدر على المبشرين والرهبان والراهبات لبناء الكنائس والمدارس والملاجئ والمستشفيات ومراكز الأسقفيات وما أشبه ذلك؛ لإتمام هذا العمل الذي تضم به الكثلكة ثمانية ملايين من البرابر إلى الأربعماية مليون كاثوليكي الذين في العالم؟

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ١١