وبعد هذا فمن يدري؟ فقد يكون المقري مصليا وصائما وبيده سبحة يقرأ عليه أورادا، ومن يدري؟ فقد يكون البغدادي السيئ الذكر ممن يتمسحون بالقبور ويستغيثون بالأولياء ويتظاهرون بهذا الورع الكاذب، وأما المفتي فهو المفتي فلا حاجة إلى تثبيت كونه يصلي الخمس، ويصوم ويتهجد، ويوتر ويتنفل ... إلخ.
وقد مضى علينا نحن في سورية شيء من هذا لأوائل عهد الاحتلال، لكن لم تكن خيانة هؤلاء المعلمين في قضية دينية مباشرة؛ فقد اقترحت عليهم فرنسة أن يمضوا برقية إلى جمعية الأمم ينكرون بها عمل المؤتمر السوري الفلسطيني المطالب باستقلال سورية وفلسطين، فأمضاه منهم عمائم مكورة، وطيالس محررة مجررة، ورقاب غليظة، وبطون عظيمة، وإن لم أقل الآن: أخزاهم الله، أخشى عتاب إخواننا المغاربة الذين يرونني خصصت بهذا الدعاء صدرهم الأعظم، ومفتيهم الأكبر، وأعفيت معممي سورية، فلذلك يقضي العدل بأن نقول: أخزاهم الله أجمعين، أخزى الله الذين منهم في المشرق، والذين منهم في المغرب ممن يوقعون على اقتراحات الأجانب المضرة بالدين والوطن.
32
ولعل الأخ الشيخ بسيوني عمران يقول: إن هؤلاء أفراد قلائل؛ فلا يجوز أن نجعل الأمة الإسلامية مسئولة عن مخازيهم وموبقاتهم.
والجواب على ذلك: أن الظلم يخص والبلاء يعم كما لا يخفى، ولكني لا أسلم أن هؤلاء أفراد قلائل، وأن الأمة غير مسئولة! إذ لو كان وراء هؤلاء أمة يخشونها ما تجاسروا على الإتجار بدينها بعد الإتجار بدنياها، بل كانوا لو اقترح عليهم الفرنسيس اقتراحا مضرا بملتهم وأمتهم ولم يقدروا على رده اعتزلوا مناصبهم، ولزموا بيوتهم.
وكان الفرنسيس كلفوا بالعمل غيرهم، فإذا أبى الخلف ما أباه السلف مرة بعد مرة علم الفرنسيس أن لا فائدة في الإصرار، فعدلوا على دسيستهم البربرية وما أشبهها، ولكنهم مصرون عليها بسبب استظهارهم بأناس ممن يزعمون أنهم «مسلمون» فهم يهدمون الإسلام بمعاول في أيدي أبنائه، ويقولون: لسنا من هذا الأمر في قبيل ولا دبير.
33
أفلا ترى كيف قالوا عن الظهير البربري: إنه قد أصدره السلطان وحكومة المخزن؟
34
أفهذا هو الإسلام الذي يناشد الله الشيخ بسيوني عمران بتأييد أهله؟
قال الله تعالى:
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون .
35
ولا شك أن «المسلمين» الذين يبلغون هذه الدرجات من الانحطاط وتتركهم الأمة الإسلامية وشأنهم يلعبون بحقوقها، يستحقون للإسلام التمحيص الذي هو فيه
36
فإنما سمح الله بأن يستولي الأجانب على ديار المسلمين ويجعلوهم خولا، ويغتصبوا جميع حقوقهم؛ تعليما لهم وتهذيبا، وتصفية وتطهيرا؛ كما يصفى الذهب الإبريز بالنار.
قال الله تعالى:
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون .
37
لقد أصبح الفساد إلى حد أن أكبر أعداء المسلمين هم المسلمون، وإن المسلم إذا أراد أن يخدتم ملته أو وطنه وقد يخشى أن يبوح بالسر من ذلك لأخيه؛ إذ يحتمل أن يذهب هذا إلى الأجانب المحتلين فيقدم لهم بحق أخيه الوشاية التي يرجو بها بعض الزلفى، وقد يكون أمله بها فارغا.
38
كلمة الملك ابن سعود في تخاذل المسلمين وتعاديهم
ولله در الملك ابن سعود حيث يقول: ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين، ما أخشى من الأجانب كما أخشى من المسلمين.
39
وهو كلام أصاب كبد الصواب، فإنه ما من فتح فتحه الأجانب من البلاد المسلمين إلا كان نصفه أو قسم منه على أيدي أناس من المسلمين منهم من تجسس للأجانب على قومه، ومنهم من بث لهم الدعاية بين قومه، ومنهم من سل لهم السيف في وجه قومه، وأسال في خدمتهم دم قومه.
فأين إسلامهم وإيمانهم من قوله تعالى:
إنما المؤمنون إخوة
40
وقوله:
ومن يتولهم منكم فإنه منهم
41
وقوله:
إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون