تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولبث ذلك ديدنهم إلى هذا العصر الذي شعروا فيه بأن السياح إنما تقصد بلادهم لأجل مشاهدة الآثار العربية، فرجعوا ينقبون عنها في كل سهل وجبل، وكلما انكشف لأحدهم منها شيء عد نفسه قد عثر على كنز، وصارت المجالس البلدية تمنع هدم أي أثر قديم للعرب، وإن كان متداعيا إلى الخراب اكتفوا بتقويم شعثه، وأبقوه على هيئته. وقد يكون الشارع ضيقا ولا يسمحون بتوسيعه، إذا استلزم ذلك هدم الأبنية العربية.

ومما يعجب به الإفرنج من مساجد الأندلس جامع في طليطلة يقال له اليوم «سانتو كريستو دولالوز»

Dola Luz

تاريخ بنائه كما يفهم من الكتابة التي في مدخله سنة 922 مسيحية. ولما استرجع الأسبانيول طليطلة في القرن الحادي عشر المسيحي حولوه كنيسة، ولم يغيروا فيه إلا الجهة الشرقية. وفي هذا المسجد بقايا نقوش عربية بديعة. ويقال إن الأذفونش السادس الذي احتال على ابن ذي النون حتى أخذ من يده طليطلة قد سمع أول قداس بعد استيلائه على هذه البلدة في هذا المسجد نفسه. وفي طليلطة أيضا من أمثلة الصنعة العربية كنيس لليهود يقصد إليه السياح لنفاسة بنائه. وقد بقي في الأندلس من المآثر العربية التي يشار إليها بالبنان قصر الجعفرية في سرقسطة، ومنارة أشبيلية الشهيرة، وباب ساحة النارنج في هذه البلدة، والقصر

Alcazar

الذي بناه الملك بترو الملقب بالغاشم ولكن على الطرز العربي بأيدي بنائين من العرب.

فأما حمراء غرناطة فلا تزال إلى يوم الناس هذا زينة أسبانية وحليتها، ومقصد المتفرجين من جميع الأقطار يزورها في دور السنة من سبعين إلى مائة ألف متفرج، ومن أغرب ما سمعت أن بعضهم يقيم الشهر والشهرين والثلاثة في غرناطة، وقلما يمضي يوم إلا ويقصد فيه إلى الحمراء حتى يمتع نظره بما فيها من نفائس الصنعة، وبدائع الطبيعة، لأن موقع الحمراء الطبيعي هو أيضا نادر في الدنيا. ومما يحمد الله عليه أن صناعة البناء الأندلسية هي محفوظة كلها في المغرب، لا تختلف في شيء عما كانت عليه في الأندلس، وأن الزليج الذي تزين به الحيطان والساحات، والذي يشبه القاشاني في المشرق، لا يزال يصنع ويتنافس به.

هذا، وبعد أن استرد الأسبان بلاد الأندلس من أيدي العرب، وصار هؤلاء تبعة لهم تحت اسم المدجنين، والأسبان يقولون مدجر

Mudéjar

بقيت الصنعة العربية زاهرة، يبني بها الأسبان أنفسهم، ويدخلونها حتى في بعض كنائسهم، وقد يجمعون بينها وبين الصنعة القوطية. ومن القصور المبنية على الطراز العربي قصر «الأنفانتادو» في وادي الحجارة، وقصر اسمه «كارادال كردون»

Casa del Cardon

في برغش، من بناء مهندس عربي اسمه محمد، من سقوبية، تاريخ بنائه يرجع إلى القرن الخامس عشر.

ولا تخلوا أسبانية من أبنية قلدوا فيها الصنعة الإيطالية بعد عصر التجدد

Renaissance

ثم رغبوا في زيادة التزيين والتزويق والتخريم والترصيع، حتى سمي هذا الطراز من البناء بطرز الصياغة. وكان البناءون من الطليان يطوفون في أسبانية، ويبنون القصور لأمرائها بحسب الصنعة الإيطالية، وربما أرسل بعض المترفين من أسبانية إلى جنوة، فأوصوا على رسوم لقبور موتاهم، وبنوا بحسبها في بلادهم. ولم يكن الطليان وحدهم هم الذين يبنون بمقتضى الهندسة الجديدة في أسبانية بل كان هناك بناءون من فرنسا وهولاندة وبلجيكة وكان أشهر هؤلاء «أنريك دو ايغاس»

Enrique de Egas

الذي هندس مدرسة «سنتا كروز» في بلد الوليد، وعدة مستشفيات في طليطلة وغرناطة وسانت ياقو.

واشتهر من النحاتين في ذلك العصر «فيليب فيكارني»

Vigarni

و«وسيلو»

Siloe

الذي بنى كنائس غرناطة وكنيسة مالقة. واشتهر أيضا دياغو دوريانو

Diego Deriano

الذي له أبنية شهيرة في أشبيلية. مثل دار البلدية، وكذلك في تلك الحقبة بنيت في بياسة دار بلدية فاخرة. وفي أبذة كنيسة سانتا مارية المشهورة بناها المهندس المسمى «بلد البيرة» وهو الذي بنى كنيسة جيان. واشتهر أيضا «ريبارا» باني دار البلدية في شريش. ومن المدن الشهيرة بالمباني المشيدة بحسب الطراز الجديد طلمنكة

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٨٨