ومن أعظم ذلك وأشده أنهم كانوا يتغلبون على الحصن من حصون الإسلام التي يتمكنون بها من بسائط بلادهم، فيسبون ويأسرون، فلا تجتمع همم الملوك المجاورة على حسم الداء في ذلك، وقد يستعين به بعضهم على بعض، فيتمكن من ذلك الداء الذي لا يطب.
وقد كانت جزيرة الأندلس في ذلك الزمان بالضد من البلاد التي ترك وراء ظهره، وذلك موجود في تاريخ ابن حيان وغيره. وإنما كانت الفتنة بعد ذلك. الأعلام بينة، والطريق واضح.
656
فلنرجع إلى ما نحن بسبيله.
كانت سلطنة الأندلس في صدر الفتح على ما تقدم من اختلاف الولاة عليها من سلاطين أفريقية، واختلاف الولاة داع إلى اضطراب، وعدم تأثل الأحوال وتربية الضخامة في الدولة:
657
ولما صارت الأندلس لبني أمية، وتوارثوا ممالكها، وانقاد إليهم كل أبي فيها، وأطاعهم كل عصي، عظمت الدولة بالأندلس، وكبرت الهمم، واستتبت الأحوال، وترتبت القواعد. وكانوا صدرا من دولتهم يخطبون لأنفسهم بأبناء الخلائف. ثم خطبوا لأنفسهم الخلافة، وملكوا من بر العدوة ما ضخمت به دولتهم، وكانت قواعدهم إظهار الهيبة، وتمكن الناموس من قلوب العالم، ومراعاة أحوال الشرع في كل الأمور، وتعظيم العلماء، والعمل بأقوالهم، وإحضارهم في مجالسهم، واستشارتهم، ولهم حكايات في تاريخ ابن حيان، منها ما هو مذكور من توجه الحكم على خليفتهم، أو على ابنه أو أحد حاشيته المختصين وأنهم كانوا في نهاية من الانقياد إلى الحق، لهم أو عليهم، بذلك انضبط لهم أمر الجزيرة.
ولما خرقوا هذا الناموس، كان أول ما تهتك أمرهم ثم اضمحل.
658
وكانت ألقاب الأول منهم الأمراء أبناء الخلائف، ثم الخلفاء أمراء المؤمنين. إلى أن وقعت الفتنة بحسد بعضهم لبعض، وابتغاء الخلافة من غير وجهها الذي رتبت عليه.
659
فاستبدت ملوك الممالك الأندلسية ببلادها، وسموا بملوك الطوائف. وكان فيهم من خطب للخلفاء المروانيين، وإن لم يبق لهم خلافة. ومنهم من خطب للخلفاء العباسيين المجمع على إمامتهم،
660
وصار ملوك الطوائف يتباهون في أحوال الملك حتى في الألقاب، فآل أمرهم إلى أن تلقبوا بنعوت الخلفاء، وترفعوا إلى طبقات السلطنة العظمى، وذلك بما في جزيرتهم من أسباب الترفه والضخامة، التي تتوزع على ملوك شتى فتكفيهم، وتنهض بهم للمباهاة.
ولأجل توثبهم على النعوت العباسية قال ابن رشيق القيرواني:
مما يزهدني في أرض أندلس
تلقيب معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
وكان عباد بن محمد بن عباد قد تلقب بالمعتضد، واقتفى سيرة المعتضد العباسي أمير المؤمنين. وتلقب ابنه محمد بن عباد بالمعتمد. وكانت لبني عباد مملكة أشبيلية، ثم انضاف إليها غيرها. وكان خلفاء بني أمية يظهرون للناس في الأحيان على أبهة الخلافة، ولهم قانون في ذلك معروف إلى أن كانت الفتنة، فاذدرت العيون ذلك الناموس، واستخفت به. وقد كان بنو حمود من ولد إدريس العلوي، الذين توثبوا على الخلافة في أثناء الدولة المروانية بالأندلس، يتعاظمون، ويأخذون أنفسهم بما يأخذها خلفاء بني العباس، وكانوا إذا حضرهم منشد لمدح، أو من يحتاج إلى الكلام بين أيديهم، يتكلم من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب بما يقوله له الخليفة. ولما حضر ابن مقانا الأشبوني أمام حاجب إدريس بن يحيى الحمودي، الذي خطب له بالخلافة في مالقة، وأنشده قصيدته المشهورة النونية التي منها قوله:
وكأن الشمس لما أشرقت
فانتشت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي
بن حمود أمير المؤمنين
وبلغ فيها إلى قوله:
انظرونا نقتبس من نوركم
إنه من نور رب العالمين
رفع الخليفة الستر بنفسه وقال: انظر كيف شئت. وانبسط مع الشاعر وأحسن إليه. ولما جاء ملوك الطوائف صاروا يتبسطون للخاصة، وكثير من العامة، ويظهرون مداراة الجند وعوام البلاد، وكان أكثرهم يحاضر العلماء والأدباء، ويحب أن يشهر عند ذلك. عند مباديه في الرياسة. ومذ وقعت الفتنة بالأندلس، اعتاد أهل الممالك المتفرقة الاستبداد على إمام الجماعة، وصار في كل جهة مملكة مستقلة يتوارث أعيانها الرياسة، كما يتوارث ملوكها الملك، ومرنوا على ذلك، فصعب ضبطهم إلى نظام واحد، وتمكن العدو منهم بالتفرق، وعداوة بعضهم لبعض، بقبيح المنافسة والطمع إلى أن انقادوا إلى عبد المؤمن وبنيه، وتلك القواعد في رؤوسهم كامنة، والثوار في المعاقل تثور، وتروم الكرة، إلى أن ثار ابن هود، وتلقب بالمتوكل، ووجد القلوب منحرفة عن دولة بر العدوة،