تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

652

وبعض أماكن في تونس وإن كان الغالب على تونس البناء بالحجارة كالإسكندرية، ولكن الإسكندرية أفسح شوارع وأبسط وأبدع، ومباني حلب داخلة فيما يستحسن لأنها من حجارة صلبة، وفي وضعها وترتيبها إتقان، انتهى. ومن أحسن ما جاء من النظم في الأندلس قول ابن سفر المريني والإحسان له عادة:

في أرض أندلس تلتذ نعماء

ولا يفارق فيها القلب سراء

وليس في غيرها بالعيش منتفع

ولا تقوم بحق الأنس صهباء

وأين يعدل عن أرض تحض بها

على المدامة أمواه وأفياء؟

وكيف لا يبهج الأبصار رؤيتها

وكل روض بها في الوشى صنعاء؟

أنهارها فضة، والمسك تربتها

والخز روضتها والدر حصباء

وللهواء بها لطف يرق به

من لا يرق وتبدو منه أهواء

ليس النسيم الذي يهفو بها سحرا

ولا انتثار لآلي الطل أنداء

وإنما أرج الند استثار بها

في ماء ورد فطابت منه أرجاء

وأين يبلغ منها ما أصنفه؟

وكيف يحوي الذي حازته إحصاء؟

قد ميزت من جهات الأرض حين بدت

فريدة وتولى ميزها الماء

دارت عليها نطاقا أبحر خفقت

وجدا بها إذ تبدت وهي حسناء

لذاك يبسم فيها الزهر من طرب

والطير يشدو وللأغصان إصغاء

فيها خلعت عذاري ما بها عوض

فهي الرياض وكل الأرض صحراء

ولله در ابن خفاجة حيث يقول:

إن للجنة بالأندلس

مجتلى مرأى وريا نفس

فسنى صحبتها من شنب

ودجى ظلمتها من لعس

فإذا ما هبت الريح صبا

صحت: وا شوقي إلى الأندلس!

وقد تقدمت هذه الأبيات. قال ابن سعيد: قال ابن خفاجة هذه الأبيات وهو بالمغرب الأقصى، في بر العدوة، ومنزله في شرق الأندلس بجزيرة شقر. وقال ابن سعيد في المغرب ما نصه: قواعد من كتاب الشهب الثاقبة، في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة، أول ما تقدم الكلام على قاعدة السلطنة بالأندلس فنقول: إنها مع ما بأيدي عباد الصليب منها، أعظم سلطنة، كثرت ممالكها، وتشعبت في وجوه الاستظهار للسلطان إعانتها، وندع كلامنا في هذا الشأن وننقل ما قاله ابن حوقل النصيبي في كتابه، لما دخلها في مدة خلافة بني مروان بها، في المائة الرابعة، وذلك أنه لما وصفها قال: وأما جزيرة الأندلس فجزيرة كبيرة، طولها دون الشهر، في عرض نيف وعشرين مرحلة، تغلب عليها المياه الجارية، والشجر والثمر، والرخص والسعة في الأحوال، من الرقيق الفاخر، والخصب الظاهر، إلى أسباب التملك الفاشية فيها، ولما هي به من أسباب رغد العيش، وسعته وكثرته، يملك ذلك منهم متهانهم، وأرباب صنائعهم، لقلة مؤنتهم، وصلاح معاشهم وبلادهم. ثم أخذ في عظم سلطانها، ووصف وفور جباياته، وعظم مرافقه، وقال في أثناء ذلك: ومما يدل بالقليل منه على كثيره، أن سكة دار ضربه على الدراهم والدنانير، دخلها في كل سنة، مائتا ألف دينار، وصرف الدينار سبعة عشر ردهما، هذا إلى صدقات البلد وجباياته، وخراجاته وأعشاره، وضماناته، والأموال المرسومة على المراكب الواردة والصادرة، وغير ذلك.

653

وذكر ابن بشكوال أن جباية الأندلس بلغت في مدة عبد الرحمن الناصر خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألفا من السوق، والمستخلص

654

سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار

655

ثم قال ابن حوقل: ومن أعجب ما في هذه الجزيرة بقاؤها على من هي في يده، مع صغر أحلام أهلها، وضعة نفوسهم، ونقص عقولهم، وبعدهم من البأس والشجاعة، والفروسية والبسالة، ولقاء الرجال، ومراس الأنجاد والأبطال، مع علم أمير المؤمنين بمحلها في نفسها، ومقدار جباياتها، ومواقع نعمها ولذاتها. قال علي بن سعيد مكمل هذا الكتاب: لم أر بدا من إثبات هذا الفصل، وإن كان على أهل بلدي فيه من الظلم والتعصب ما لا يخفى، ولسان الحال في الرد أنطق من لسان البلاغة، وليت شعري إذ سلب أهل هذه الجزيرة العقول والآراء، والهمم والشجاعة، فمن الذين دبروها بآرائهم وعقولهم، مع مراصدة أعدائها المجاورين لها من خمسمائة سنة ونيف؟ ومن الذين حموها ببسالتهم من الأمم المتصلة نهم، في داخلها وخارجها، نحو ثلاثة أشهر، على كلمة واحدة، في نصرة الصليب وإني لأعجب منه إذ كان في زمان قد دلفت فيه عباد الصليب إلى الشام والجزيرة وعاثوا كل العبث في بلاد الإسلام، حيث الجمهور والقبة العظمى، حتى إنهم دخلوا مدينة حلب، وما أدراك! وفعلوا فيها ما فعلوا، وبلاد الإسلام متصلة بها من كل جهة، إلى غير ذلك مما هو مسطور في كتب التواريخ.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٦٨