642
من وهج الصيف، وهول الشتاء، ثم توقع أن يكون ذلك فسادا في الأرض، وتغييرا للطرق، عند انتشار اللصوص، وأهل الشر فيها في المواضع المنقطعة النائية عن العمران، فتركها على ما هي عليه.
وذكر في هذه الآثار صنم قادس الذي ليس له نظير إلا الصنم الذي بطرف جليقية. وذكر قنطرة طليطلة، وقنطرة السيف، وقطرة ماردة، وملعب مربيطر.
643
قال ابن سعيد: وفي الأندلس عجائب. منها الشجرة التي لولا كثرة ذكر العامة لها بالأندلس ما ذكرتها، فإن خبرها عندهم شائع متواتر، وقد رأيت من يشهد بخبرها ورؤيتها، وهم جم غفير، وهي شجرة زيتون، تصنع الورق والنور والثمر من يوم واحد معلوم عندهم، من أيام السنة الشمسية.
644
ومن العجائب: السارية التي بغرب الأندلس، يزعم الجمهور أن أهل ذلك المكان إذا أحبوا المطر أقاموها، فمطر الله جهتهم؟ ومنها صنم قادس، طول ما كان قائما، كان يمنع الريح أن تهب في البحر المحيط، فلا تستطيع المراكب الكبار على الجري فيه، فلما هدم في أول دولة بني عبد المؤمن، صارت السفن تجري فيه؟ وبكورة «قبرة» مغارة ذكرها الرازي، وحكى أنه يقال إنها باب من أبواب الريح، لا يدرك لها قعر؟ وذكر الرازي أن في جهة قلعة «ورد» جبلا فيه شق في صخرة، داخل كهف، فيه فأس حديد متعلق من الشق الذي في الصخرة، تراه العيون وتلمسه اليد، ومن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة، ثم يعود إلى حالته.
645
وأما ما أورده ابن بشكوال من الأحاديث والآثار في شأن فضل الأندلس والمغرب، فقد ذكرها ابن سعيد في كتابه المغرب، ولم أذكرها أنا. والله أعلم بحقيقة أمرها.
وكذلك ما ذكره ابن بشكوال من أن فتح القسطنطينية إنما يكون من قبل الأندلس قال: وذكره سيف عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، والله أعلم بصحة ذلك. ولعل المراد بالقسطنطينية رومية والله أعلم. قال سيف: وذلك أن عثمان ندب جيشا من القيروان إلى الأندلس، وكتب لهم:
أما بعد، فإن فتح القسطنطينية إنما يكون من قبل الأندلس، فإنكم إن فتحتموها، كنتم الشركاء في الأجر والسلام. ا.ه.
قلت عهدة هذه الأمور على ناقلها، وأنا برئ من عهدتها،
646
وإن ذكرها ابن بشكوال وصاحب المغرب وغير واحد، فإنها عندي لا أصل لها، وأي وقت بعث عثمان إلى الأندلس؟ مع أن فتحها بالاتفاق إنما كان زمان الوليد! وإنما ذكرت هذه للتنبيه عليه لا غير. والله أعلم.
قال ابن سعيد: وميزان وصف الأندلس؛ أنها جزيرة قد أحدقت بها البحار، فأكثرت فيها الخصب والعمارة من كل جهة، فمتى سافرت من مدينة إلى مدينة لا تكاد تنقطع من العمارة، ما بين قرى ومياه ومزارع، والصحاري فيها معدومة.
647
ومما اختصت به أن قراها في نهاية من الجمال، لتصنع أهلها في أصناعها وتبييضها، لئلا تنبو العيون عنها، فهي كما يقول الوزير بن الخمارة فيها:
لاحت قراها بين خضرة أيكها
كالدر بين زبرجد مكنون
ولقد تعجبت لما دخلت الديار المصرية من أوضاع قراها التي تكدر العين بسوادها، ويضيق الصدر بضيق أوضاعها. وفي الأندلس جهات تقرب فيها المدينة العظيمة الممصرة من مثلها. والمثال في ذلك أنك إذا توجهت من أشبيلية فعلى مسيرة يوم وبعض آخر، مدينة شريش، وهي في نهاية من الحضارة والنضارة، ثم يليها الجزيرة الخضراء كذلك، ثم مالقة. وهذا كثير في الأندلس. ولهذا كثرت مدنها، وأكثرها مسور من أجل الاستعداد للعدو، فحصل لها بذلك التشييد والتزيين، وفي حصونها ما يبقى في محاربة العدو ما ينيف على عشرين سنة، لامتناع معاقلها، ودربة أهلها على الحرب، واعتيادهم لمجاورة العدو بالطعن والضرب، وكثرة ما تتخزن الغلة في مطاميرها، فمنها ما يطول صبره عليها نحوا من مائة سنة.
قال ابن سعيد: ولذلك أدامها الله تعالى من وقت الفتح إلى الآن، وإن كان العدو قد نقصها من أطرافها، وشارك في أوساطها، ففي البقية منعة عظيمة، فأرض بقي فيها مثل أشبيلية، وغرناطة، ومالقة، والمرية، وما ينضاف إلى هذه الحواضر العظيمة الممصرة، الرجاء قوي فيها بحول الله وقوته. انتهى. قلت قد خاب ذلك الرجاء،