وذكر غيره: أن الجباية كانت بالأندلس أيام عبد الرحمن الأوسط، ألف ألف دينار في السنة، وكانت قبل ذلك لا تزيد على ستمائة ألف.
536
حكاه ابن سعيد وقال: أن الأندلس مسيرة شهر مدن وعمائر.
537
وقال قاضي القضاة ابن خلدون الخضرمي في تاريخه الكبير ما صورته: كان هذا القطر الأندلسي من العدوة الشمالية من عدوتي البحر الرومي، وبالجانب الغربي منها، يسمى عند العجم الأندلوش، وتسكنه أمم من إفرنجة المغرب، أشدهم وأكثرهم الجلالقة. وكان القوط قد تملكوه، وغلبوا على أهله لمئتين من السنين قبل الإسلام، بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين، حاصروا فيها رومة، ثم عقدوا معهم السلم، على أن ينصرف القوط إلى الأندلس، فصاروا إليها، وملكوها،
538
ولما أخذ الروم واللطينيون بملة النصرانية، حملوا من وراءهم بالمغرب من أمم الفرنجة والقوط عليها، فدانوا بها. وكان ملوك القوط ينزلون طليطلة، وكانت دار ملكهم، وربما تنقلوا ما بينها وبين قرطبة، وأشبيلية، وماردة، وأقاموا كذلك نحوا من أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح، وكان ملكهم لذلك العهد يسمى لذريق، وهو سمة لملوكهم، كما أن جرجير سمة لملوك صقليه ا.ه.
ومن أشهر بلاد الأندلس غرناطة
539
وقيل إن الصواب أغرناطة بالهمز، ومعناه بلغتهم الرمانة، وكفاها شرفا ولادة لسان الدين بها وقال «الشقندي»: أما غرناطة فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، ولو لم يكن لها إلا ما خصه الله تعالى به من المرج الطويل العريض، ونهر شنيل، لكفاها.
وفي بعض كلام لسان الدين ما صورته: وما لمصر تفخر بنيلها، وألف منه في شنيلها؟! يعني أن الشين عند أهل المغرب عددها ألف، فقولنا شنيل إذا اعتبرنا عدد شينه كان ألف نيل.
540
وفيها قيل:
غرناطة ما لها نظير
ما مصر، ما الشام، ما العراق
ما هي إلا العروس تجلى
وتلك من جملة الصداق
وتسمى كورة «البيرة» التي منها غرناطة دمشق، لأن جند دمشق نزلوها عند الفتح، وقيل إنها سميت بذلك لشبهها بدمشق في غزارة الأنهار، وكثرة الأشجار، حكاه صاحب «منهاج الفكر» قال: ولما استولى الفرنج على معظم بلاد الأندلس انتقل أهلها إليها فصارت المصر المقصود، والمعقل الذي تنضوي إليه العساكر والجنود،
541
ويشقها نهر عليه قناطر يجاز عليها. وفي قبليها جبل شلير، وهو جبل لا يفارقه الثلج، صيفا ولا شتاء، وفيه سائر النبات الهندي، لكن ليس فيه خصائصه. ا.ه.
ومن أعمال غرناطة قطر «لوشة»
542
وبها معدن للفضة جيد، ومنها، أعني لوشة، أصل لسان الدين بن الخطيب. وهذا القطر ضخم، ينضاف إليه من الحصون والقرى كثير، وقاعدته لوشة بينها وبين غرناطة مرحلة، وهي ذات أنهار وأشجار وهي على نهر غرناطة الشهير بشنيل.
ومن أعمال غرناطة الكبار عمل «باغة»
543
والعامة يقولون «بيغة» وإذا نسبوا إليه قالوا بيغي، وقاعدته باغة، طيبة الزرع، كثيرة الثمار، عزيزة المياه، ويجود فيها الزعفران.
ومن أعمال غرناطة «وادي آش»
544
ويقال وادي الأشات، وهي مدينة جليلة، قد أحدقت بها البساتين والأنهار، وقد خص الله أهلها بالأدب وحب الشعر وفيها يقول أبو الحسن بن نزار:
وادي الأشات يهيج وجدي كلما
أذكرت ما أفضت بك النعماء
لله ظلك والهجير مسلط
قد بردت لفحاته الأنداء
والشمس ترغب أن تفوز بلحظة
منه فتطرف طرفها الأفياء
والنهر يبسم بالحباب كأنه
سلخ نضته حية رقشاء
فلذاك تحذره الغصون فميلها
أبدا على جنباته إيماء (ومن أعمال وادي آش) حصن «جليانة»
545
وهو كبير يضاهي المدن، وبه التفاح الجلياني الذي خص الله به ذلك الموضع، يجمع عظم الحجم، وكرم الجوهر، وحلاوة الطعم، وذكاء الرائحة، والنقاء، وبين الحصن المذكور ووادي آش اثنا عشر ميلا.
ومن غرائب الأندلس أن به شجرتين من شجر القسطل، وهما عظيمتان جدا، إحداهما بسند