تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا واستعدوا للجهاد عزائما

يلوح على ليل الوغى مستنيرها

بأسد على جرد من الخيل سبق

يدع الأعادي سبقها وزئيرها

بأنفس صدق موقنات بأنها

إلى الله من تحت السيوف مصيرها

فوا حسرتا كم من مساجد حولت

وكانت إلى البيت الحرام سطورها

ووا أسفا كم من صوامع أوحشت

وقد كان معتاد الأذان يزورها

فمحرابها يشكو لمنبرها الجوى

وآياتها تشكو الفراق وصورها

وكم طفلة حسناء فيها مصونة

إذا أسفرت يسبي العقول سفورها

تميل كغصن البان مالت به الصبا

وقد زانها ديباجها وحريرها

فأضحت بأيدي الكافرين رهينة

وقد هتكت بالرغم منها ستورها

قد وصف صاحب هذه القصيدة سقوط مملكة بني الأحمر مدينة بعد مدينة، وكانت صبابة كأس الأندلس، فذكر رندة، ثم مالقة وبلش، ثم المنكب، ثم وادي آش، ثم بسطة، ثم المرية، وختم ابن خاتمة مناحته بذكر غرناطة أم البلاد. ومن نسق نظمها يظهر أنه كان مشاهدا تلك الحوادث القاصمة للظهور، وأن البيان كان عن عيان.

وبينما أنا أختم هذا الجزء وأهيئه للطبع إذ اطلعت في جريدة الصفاء سنة 1939 على قصيدة مؤثرة في رثاء الأندلس، وذكرى أيامها الخالية لأبي الفضل الوليد بن طعمة من أدباء إخواننا المسيحيين اللبنانيين، فأحببت تخليدها في هذا الكتاب لمكانها من النخوة الأدبية والنزعة العربية، وهي:

يا أرض أندلس الخضراء حيينا

لعل روحا من الحمراء تحيينا

عادت إلى أهلها تشتاق فتيتها

فأسمعت من غناء الحب تلحينا

كانت لنا فعنت تحت السيوف لهم

لكن حاضرها رسم لماضينا

في عزنا اكتسبت منا فصورتنا

محفوظة أبدا فيها تعزينا

لا بدع إن نشقتنا من أزاهرها

طيبا فإنا ملأناها رياحينا

وإن طربنا لألحان نرددها

فإنها أخذت عنا أغانينا

في البرتغال وإسبانية ازدهرت

آدابنا وسمت دهرا مبانينا

وفي صقلية الآثار ما برحت

تبكي التمدن حينا والعلا حينا

كم من قصور وجنات مزخرفة

فيها الفنون جمعناها أفانينا

وكم صروح وأبراج ممردة

زدنا بها الملك توطيدا وتمكينا

وكما مساجد أعلينا مآذنها

فأطلعت أنجما منها معالينا

تلك البلاد استمدت من حضارتنا

ما أبدعته وأولته أيادينا

فيها النفائس جاءت من صناعتنا

ومن زراعتنا صارت بساتينا

فأجدبت بعدنا واستوحشت زمنا

تصبو إلينا وتبكي من تنائينا

أيام كانت قصور الملك عالية

كان الفرنج إلى الغابات آوينا

وحين كنا نجر الخز أردية

كانوا يسيرون في الأسواق عارينا

جاءت من الملأ الأعلى قصائدنا

والروم قد أخذوا عنا قوافينا

لم يعرفوا العلم إلا من مدارسنا

ولا الفروسة إلا من مجارينا

أعلى الممالك داستها جحافلنا

وسرحت خيلنا فيها سراحينا

تلك الجياد بأبطال الوغى قطعت

جبال برنات وانقضت شواهينا

في أرض إفرنسة القصوى لها أثر

قد زاده الدهر إيضاحا وتبيينا

داست حوافرها ثلجا كما وطئت

رملا وخاضت عبابا في مغازينا

كسرى وقيصر قد فرت جيوشهما

للمرزبان وللبطريق شاكينا

حيث العمامة بالتيجان مزرية

من يوم يرموك حتى يوم حطينا

وللعروش طواف بالسرير إذا

قام الخليفة يعطي الناس تأمينا

بعد الخلافة ضاعت أرض أندلس

وما وفى العرب الدنيا ولا الدينا

الملك أصبح دعوى في طوائفهم

واستمسكوا بعرى اللذات غاوينا

وكل طائفة قد بايعت ملكا

لم يلف من غارة الإسبان تحصينا

وهكذا يفقد السلطان هيبته

إن أكثر الناس بالفوضى السلاطينا

تلك المساجد صارت للعدا بيعا

بعد الأئمة لا تهوى الرهابينا

هل ترجعن لنا يا عهد قرطبة

فكيف نبكي وقد جفت مآقينا

ذبلت زهرا ومن ذياك نشوتنا

وإن ذكراك في البلوى تسلينا

ما كان أعظمها للملك عاصمة

وكان أكثرها للعلم تلقينا

لم يبق منها ومن ملك ومن دول

إلا رسوم وأطياف تباكينا

والدهر ما زال في آثار نعمتها

يروي حديثا به يشجو أعادينا

أين الملوك بنو مروان ساستها

يصحون قاضين أو يمسون غازينا

وأين أبناء عباد ورونقهم

وهم أواخر نور في دياجينا

يا أيها المسجد العالي بقرطبة

هلا تذكرك الأجراس تأذينا

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٥٠٣