وله:
درست عهودهم وإن هواهم
أبدا جديد في الحشا ما يدرس
هذي طلولهم وهذي أدمعي
ولذكرهم أبدا تذوب الأنفس
ناديت خلف ركابهم من حبهم
يا من غناه الحسن ها أنا مفلس
يا موقدا نارا رويدك هذه
نار الصبابة شأنكم فلتقبسوا
وله:
ناحت مطوقة فحن حزين
وشجاه ترجيع لها وحنين
جرت الدموع من العيون تفجعا
لحنينها فكأنهن عيون
طارحتها ثكلى بفقد وحيدها
والثكل من فقد الوحيد يكون
بي لاعج من حب رملة عالج
حيث الخيام بها وحيث العين
من كل فاتكة اللحاظ مريضة
أجفانها لظبى اللحاظ جفون
ما زلت أجرع دمعتي من غلتي
أخفي الهوى عن عاذلي وأصون
هذا شعر يدل على طول باع ورقة طباع، ويسجل لابن عربي بأنه كان من رءوس الأدباء، منضما إلى قول مريديه إنه من رءوس العارفين. ومما رواه المقري في النفح نقلا عن الإمام اليافعي اليمني أن ابن عربي اجتمع مع الشهاب السهروردي فأطرق كل واحد منهما ساعة ثم افترقا من غير كلام، فقيل للشيخ ابن عربي: ما تقول في السهروردي؟ فقال: مملوء سنة من قرنه إلى قدمه. وقيل للسهرودي: ما تقول في الشيخ محيي الدين؟ فقال: بحر الحقائق. ثم قال اليافعي ما ملخصه: إن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ ويشرحه، فلما حضرته الوفاة نهى عن مطالعته، وقال: إنكم لا تفهمون معاني كلامه.
وقال صاحب «عنوان الدراية»: إن الشيخ محيي الدين كان يعرف بالأندلس بابن سراقة، وهو فصيح اللسان بارع فهم الجنان، رحل إلى العدوة، ودخل بجاية في رمضان سنة 597، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعة. قال: ثم رحل إلى المشرق وألف تواليف فيها ما فيها، إن قيض الله تعالى من يسامح ويتأول سهل المرام، وإن كان ممن ينظر بالظاهر فالأمر صعب. وقد نقد عليه أهل الديار المصرية وسعوا في إراقة دمه؛ فخلصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي؛ فإنه سعى في خلاصه وتأول كلامه، ولما وصل إليه بعد خلاصه قال له؛ أي البجائي: كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت؟ فقال له ابن عربي: يا سيدي، تلك شطحات في محل سكر، ولا عتب على سكران.
وممن ذكر ابن عربي الإمام شمس الدين محمد بن مسدي في معجمه البديع المحتوي على ثلاثة مجلدات، وترجمه ترجمة عظيمة قال فيها إنه كان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات، خاض بحار تلك العبارات، وتحقق بمحيا تلك الإشارات، وتصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدم والإقدام. ومواقف النهايات في مزالق الأقدام؛ ولهذا ما ارتبت في أمره، والله تعالى أعلم بسره. قال المقري: ونقلت من خط ابن علوان التونسي من شعر الشيخ محيي الدين ما يأتي:
بالمال ينقاد كل صعب
من عالم الأرض والسماء
يحسبه عالم حجابا
لم يعرفوا لذة العطاء
لولا الذي في النفوس منه
لم يجب الله في الدعاء
لا تحسب المال ما تراه
من عسجد مشرق الضياء
بل هو ما كنت يا بني
به غنيا عن السواء
فكن برب العلا غنيا
وعامل الخلق بالوفاء
وقال:
نبه على السر ولا تفشه
فالبوح بالسر له مقت
على الذي يبديه فاصبر له
واكتمه حتى يصل الوقت
وقال وهو في المقام النبوي الشريف:
يا حبذا المسجد من مسجد
وحبذا الروضة من مشهد
وحبذا طيبة من بلدة
فيها ضريح المصطفى أحمد
صلى عليه الله من سيد
لولاه لم نفلح ولم نهتد
قد قرن الله به ذكره
في كل يوم فاعتبر ترشد
عشر خفيات وعشر إذا
أعلن بالتأذين في المسجد
فهذه عشرون مقرونة
بأفضل الذكر إلى الموعد
وجاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية ذكر الإمام محيي الدين بن عربي فقالت فيه: إنه متصوف شهير قائل بوحدة الوجود، ولد بمرسية في 28 يوليو سنة 1195 المسيحية، ثم رحل إلى إشبيلية حيث أقام ثلاثين سنة، وقرأ الفقه والحديث في إشبيلية وسبتة، ثم ذهب إلى تونس، ثم ذهب إلى الشرق، فوصل إلى مكة، وزار بغداد، ثم رجع إلى مكة، وذهب إلى حلب، ثم إلى الموصل، ثم إلى الأناضول، وكان صيته سابقا له في كل مكان، وكان يقدم إليه المال فينفقه في الصدقات، واستقر أخيرا بدمشق، وتوفي في أكتوبر سنة 1240 المسيحية وفق ربيع الثاني سنة 638، ودفن في سفح قاسيون، حيث دفن إلى جانبه ابناه في ما بعد.