إذا تغلغل فكر المرء في طرف
من بحره غرقت فيه خواطره
وهو عباب لا تكدره الدلاء، وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته تخترق السبع الطباق، وكانت بركاته تفترق فتملأ الآفاق، وإني أصفه وهو يقينا فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أني ما أنصفته.
وما علي إذا ما قلت معتقدي
دع الجهول يظن العدل عدوانا
والله والله والله العظيم ومن
أقامه حجة للدين برهانا
بأن ما قلت بعض من مناقبه
ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا
وأما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر التي جواهرها وكثرتها لا يعرف لها أول ولا آخر، ما وضع الواضعون مثلها، وإنما خص الله - سبحانه - بمعرفة قدرها أهلها، ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها وتأمل ما في مبانيها، انشرح صدره لحل المشكلات وفك المعضلات، وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصه الله تعالى بالعلوم اللدنية الربانية.
ووقفت على إجازة كتبها للملك العظيم فقال في آخرها: وأجزته أيضا أن يروي عن مصنفاتي، ومن جملتها كذا وكذا، حتى عد نيفا وأربعمائة مصنف، منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى سورة الكهف عند قوله تعالى:
وعلمناه من لدنا علما ، وتوفي ولم يكمل، وهذا التفسير كتاب عظيم كل سفر منه بحر لا ساحل له. ولا غرو فإنه صاحب الولاية العظمى والصديقية الكبرى في ما نعتقد وندين الله تعالى به. وثم طائفة في الغي حائفة يعظمون عليه النكير، وربما بلغ بهم الجهل إلى حد التكفير، وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها، ولم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها.
علي نحت القوافي من معادنها
وما علي إذا لم تفهم البقر
هذا الذي نعلم ونعتقد وندين الله تعالى به في حقه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. كتبه محمد الصديقي الملتجئ إلى حرم الله تعالى - عفا الله عنه. ا.ه. لا يخفى أن صاحب القاموس أقام زمنا بمكة المكرمة. ثم إن بعض الناس ذكروا أنه جرى تكفير ابن عربي في مجلس شيخ الإسلام في وقته عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله - وقيل عنه إنه زنديق، وأن الشيخ لم يرد عنه؛ فكان سكوته إقرارا. فذكر خادم للشيخ أنه كان ذلك اليوم صائما؛ فاتفق أن سيده دعاه للإفطار معه. يقول الخادم: وجدت منه إقبالا ولطفا فقلت له: يا سيدي، هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا؟ فقال: ما لك ولهذا كل. فعرفت أنه يعرفه، فتركت الأكل وقلت له: لوجه الله تعالى عرفني به من هو. فتبسم - رحمه الله - وقال لي: الشيخ محيي الدين بن عربي. فأطرقت ساكتا متحيرا، فقال: ما لك؟ فقلت: يا سيدي قد حرت. قال: لم؟ قلت: أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي وأنت ساكت؟ فقال: اسكت ذلك مجلس الفقهاء. هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام.
وكان الشيخ كمال الدين الزملكاني من أجل مشايخ الشام، يقول: ما أجهل هؤلاء ينكرون على الشيخ محيي الدين بن عربي لأجل كلمات وألفاظ وقعت في كتبه قد قصرت أفهامهم عن درك معانيها! فليأتوني لأحل لهم مشكله، وأبين لهم مقاصده بحيث يظهر لهم الحق.
وهذا القطب سعد الدين الحموي سئل عن الشيخ محيي الدين بن عربي لما رجع من الشام إلى بلده: كيف وجدت ابن عربي؟ فقال: وجدته بحرا زخارا لا ساحل له. وهذا الشيخ صلاح الدين الصفدي له كتاب جليل وضعه في تاريخ علماء العالم في مجلدات كثيرة، تنظر في باب الميم ترجمة محمد بن عربي لتعرف مذاهب أهل العلم الذين باب صدورهم مفتوح لقبول العلوم اللدنية. وقيل إن ابن عربي صنف بعض كتبه بأمر من الحضرة الشريفة النبوية. قال الشيخ محيي الدين الذهبي حافظ الشام، وكان من أعظم المنكرين على الصوفية: ما أظن محيي الدين يتعمد الكذب أصلا.
ثم إن ابن عربي كان مظهره بدمشق، وأخرج هذه العلوم فيها ولم ينكر عليه ذلك أحد من علمائهم. وكان قاضي قضاة الشافعية في عصره شمس الدين أحمد الجوبي يخدمه، وقاضي قضاة المالكية زوجه بابنته، وترك القضاء بنظرة وقعت عليه من الشيخ. قال المقري في نفح الطيب إنه نقل ما نقله من ترجمة ابن عربي من كلام العارف بالله عبد الوهاب الشعراني - رضي الله عنه - ونحن نقلنا في كتابنا هذا ما ذكره المقري ملخصا، ثم راجعنا ما قال الشعراني في الطبقات الكبرى فلم نجد هذه الروايات في الطبقات المذكورة، فلعله نقلها عنه من كتاب آخر. أما في الطبقات فالشعراني يقول عن ابن عربي: الشيخ العارف الكامل المحقق المدقق، أحد أكابر العارفين بالله، سيدي محيي الدين بن العربي - رضي الله عنه - بالتعريف - أي بوضع الألف واللام على لفظه عربي - كما رأيته بخطه، وقال: أجمع المحققون من أهل الله - عز وجل - على جلالته في سائر العلوم كما تشهد بذلك كتبه، وما أنكر من أنكر عليه إلا لدقة كلامه لا غير، فأنكروا على ما يطالع كلامه من غير سلوك طريق الرياضة خوفا من حصول شبهة في معتقده يموت عليها ولا يهتدي لتأويلها على مراد الشيخ.