تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

ا.ه. ومن نظم الشيخ محيي الدين:

بين التذلل والتدلل نقطة

فيها يتيه العالم النحرير

هي نقطة الأكوان إن جاوزتها

كنت الحكيم وعلمك الإكسير

وقوله:

يا درة بيضاء لاهوتية

قد ركبت صدفا من الناسوت

جهل البسيطة قدرها لشقائهم

وتنافسوا في الدر والياقوت

وحكى العماد بن النحاس الأطروش: أنه كان في سفح جبل قاسيون على مستشرف وعنده الشيخ محيي الدين بن عربي، والغيث والسحاب عليهم، ودمشق ليس عليها شيء. قال: فقلت للشيخ: أما ترى هذه الحال؟ فقال: كنت بمراكش وعندي ابن خروف الشاعر - يعني أبا الحسن علي بن القرطبي - وقد اتفقت حال مثل هذه، فقلت له مثل هذه المقالة فأنشدني:

يطوف السحاب بمراكش

طواف الحجيج ببيت الحرم

يروم نزولا فلا يستطيع

لسفك الدماء وهتك الحرم

جاء في نفح الطيب أن المقريزي حكى في ترجمة عمر بن الفارض أن الشيخ محيي الدين بن عربي بعث إلى ابن الفارض يستأذنه في شرح التائية فأجابه: كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها. ا.ه. وقال بعض من عرف به: إنه لما صنف الفتوحات المكية كان يكتب كل يوم ثلاث كراريس حيث كان، وحصلت له بدمشق دنيا كثيرة فما ادخر منها شيئا. وقيل: إن صاحب حمص رتب له كل يوم مائة درهم، وابن الزكي كل يوم ثلاثين درهما، فكان يتصدق بالجميع. واشتغل الناس بمصنفاته، ولها ببلاد اليمن والروم صيت عظيم، وهو من عجائب الزمان.

وكان يقول: أعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب. وذكر صفي الدين حسين بن الإمام جمال الدين أبي الحسن علي بن الإمام كمال الدين أبي منصور ظافر الأزدي الأنصاري في رسالته المتضمنة من رأى من سادات عصره قال: ورأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية وما وقر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علما وخلقا وحالا، لا يكترث بالوجود مقبلا كان أو معرضا. وله علماء أتباع أرباب مواجيد وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الخراز إخاء ورفقة في السياحات، ومن نظم ابن عربي:

يا من يراني ولا أراه

كم ذا أراه ولا يراني

قال رحمه الله: قال لي بعض إخواني لما سمع هذا البيت: كيف تقول إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك، فقلت له مرتجلا:

يا من يراني مجرما

ولا أراه آخذا

كم ذا أراه منعما

ولا يراني لائذا

قال المقري في النفح: قلت: من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ مؤول، وأنه لا يقصد ظاهره، وإنما له محامل تليق به، وكفاك شاهدا هذه الجزئية الواحدة، فأحسن الظن به ولا تنتقد بل اعتقد. وللناس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أسلم، والله سبحانه بكلام أوليائه أعلم.

وولد للشيخ محيي الدين ابنه محمد المدعو سعد الدين بملطية من بلاد الروم، وذلك في رمضان سنة 618، وسمع الحديث ودرس، وقال الشعر الجيد، وله ديوان مشهور، وتوفي بدمشق سنة 656، وهي السنة التي دخل فيها هولاكو بغداد وقتل الخليفة المستعصم، ودفن محمد بن محيي الدين بن عربي إلى جانب والده بسفح قاسيون، ومن شعره:

لما تبدى عارضاه في نمط

قيل ظلام بضياء اختلط

وقيل سطر الحسن في خديه خط

وقيل نمل فوق عاج انبسط

وقيل مسك فوق ورد قد نقط

وقال قوم إنها اللام فقط

ومن نظمه:

سهري من المحبوب أصبح مرسلا

وأراه متصلا بفيض مدامع

قال الحبيب بأن ريقي نافع

فاسمع رواية مالك عن نافع

وقوله:

لك والله منظر

قل فيه المشارك

إن يوما نراك في

ه ليوم مبارك

وله:

وعلمت أن من الحديد فؤاده

لما انتضى من مقلتيه مهندا

آنست من وجدي بجانب خده

نارا ولكن ما وجدت بها هدى

وله:

ساءلتني عن لفظة لغوية

فأجبت مبتدئا بغير تفكر

خاطبتني متبسما فرأيتها

من نظم ثغرك في صحاح الجوهري

وكتب إلى أخيه عماد الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٨٨