تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان نشوب الفتن بين المسيحيين واشتعال الحروب الأهلية بين ملوكهم مما يسر عرب مرسية؛ لأنهم كانوا في أثناء هذه الفتن أحسن حالا، فكان لهم دور في النزاع الذي قام بين الملك ألفونسو والأمير دون خوان، وحاربت طائفة منهم إلى جانب الأمير خارجة عن طاعة الملك. وكان لا يزال في أريخاكا أمير عربي حتى بعد سقوطها في يد ملك قشتالة، وذلك كان ناشئا عن شغف الملك ألفونسو العاشر ببقاء أمراء من العرب في تبعيته وعن العهد الذي كان قد أخذه على نفسه بإبقاء ملك عربي في جوار مرسية. وفي الحقيقة لم يكن هذا الملك العربي إلا لقبا مجردا، ولم يكن في يده شيء من الحل والعقد، وكان المسلمون أنفسهم لا يبالونه.

وفي الفصل السادس والعشرين يذكر واقعة يقال لها واقعة «البورشوينس»؛ ففي سنة 1452 زحف من غرناطة جيش عظيم تحت قيادة محمد بن عبد البر الذي كان وزيرا لملك غرناطة محمد بن عثمان، فدخلوا أرض مرسية، والتقاهم المسيحيون في مكان يعرف بالبورشوينس، فبعد قتال شديد انهزم المسلمون وسقط كثير من قوادهم قتلى، ونجا ابن عبد البر ومعه ثلاثمائة من جنوده، فلما وصل بين يدي مولاه وقص عليه الفاجعة، وذكر له أسماء الذين فقدوا في المعركة استعظم الخسارة وقال لابن عبد البر: أما وقد جبنت عن الموت في ميدان الحرب ولم تمت كما مات أولئك الأبطال، فستموت موتة شنيعة كما يموت الأنذال، وأمر بقطع رأسه.

وفي الفصل السابع والعشرين يذكر حوادث الموريسك، وهم العرب الذين بقوا تحت حكم النصارى، وسنفرد جزءا كبيرا بأخبار الموريسك المذكورين إن يسر المولى، ونجعله الجزء الأخير من الكتاب، ولكننا أحببنا أن نذكر هنا خلاصة ما قاله المؤرخ المذكور عن موريسك مرسية، قال: عاش الموريسك في إمارة مرسية من بعد سقوطها في أيدي النصارى إلى الجلاء الأخير في ذل وهوان ليس عليهما مزيد، وكان المسيحيون يعاملونهم أقسى معاملة؛ فأخذ المسلمون يراسلون مسلمي المغرب ويأتمرون معهم على مملكة قشتالة؛ فصدر أمر فيليب الثالث بإجلاء هؤلاء القوم عن البلاد واستئصال شأفتهم منها، وفي الخطب التي نشرت من قلم السنيور فرنسيسكو كسكاليس - مؤرخ مرسية - وثائق مهمة تتعلق بجلاء العرب عن بلاد مرسية وغيرها من بلدان إسبانية التي كان قد بقي فيها منهم بقايا. فمن ذلك المنشور الذي صدر من الملك إلى الأمة الإسبانية مبينا فيه «دسائس العرب على الدولة وعلاقاتهم بكفار البلدان الأخرى»، وفيه الأمر بإخراج العرب بأجمعهم مع تعيين الأشخاص الذين عهد إليهم الملك بإتمام هذه المهمة في المرافئ الجنوبية والمقاطعات الداخلية.

ومن ذلك الأمر الملكي الذي نشر في ذلك الحين، وجاء فيه ما يأتي: في مدة ثلاثة أيام من نشر هذا الأمر يكون على جميع موريسك المملكة رجالا ونساء أن يغادروا البلاد، ويتوجهوا إلى قرطاجنة؛ ليكون منها خروجهم، ولهم أن يحملوا من متاعهم ما يستطيع كل فرد حمله بنفسه، وسينقلون إلى بلاد البربر في سفن تخصص لهذا الغرض، ومن خالف منهم الأمر يعاقب بالقتل.

كل مسلم يوجد بعد ثلاثة أيام في غير المكان الذي عين له، فيكون لأي شخص حق في القبض عليه وتقديمه إلى الحكومة؛ فإن امتنع وعارض فله أن يقتله.

كل مسلم يخفي ثروته لعدم استطاعته أن يحملها معه أو يحرقها أو يحرق مزرعته أو بيته يعاقب بالقتل.

للأطفال الذين لا يبلغ عمرهم الرابعة البقاء في البلاد إذا وافق على ذلك آباؤهم، فإن كانوا يتامى فأولياء أمورهم.

الأطفال الذين لا يبلغ عمرهم ست سنوات والذين آباؤهم من أصل مسيحي يجب أن يبقوا في البلاد، وتبقى معهم أمهاتهم، ولو كن موريسكيات. انتهى.

قال كسكاليس إنه بمجرد أن اطلع العرب الموريسكيون على هذا الأمر استولى عليهم أشد الحزن والألم لمفارقة الوطن الذي كانوا ألفوه، ولفقد المال والمتاع اللذين كان لا بد لهم من تركهما، وكان الرئيس الأول الذي أسند الملك إليه مهمة إجلاء العرب من إمارة مرسية هو «دون لويس فخاردو»، وصدر له الأمر بذلك بتاريخ 13 يناير سنة 1610، فخرج من مرفأ قرطاجنة من تاريخ 18 يناير سنة 1610 إلى 22 مارس من تلك السنة 6552 نفسا من العرب.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٥٣