أبو عبد الله محمد بن خلصة النحوي الكفيف، أصله من شذونة، وسكن دانية، وأخذ بها عن أبي الحسن بن سيده، وأقرأ العربية بدانية وببلنسية، وكان شاعرا مجودا متقدما في علوم اللسان، وشعره مدون، وممن أخذ عنه أبو عمر بن شرف، وأبو عبد الله بن مطرف التطيلي، وغيرهما، ذكره ابن عزيز، وقال الحميدي: كان من النحويين المتصدرين والأساتيذ المشهورين والشعراء المجودين، رأيته بدانية بعد الأربعين وأربعمائة، وقرأت أنا في ديوان شعره قصيدة له على روي الراء يهنئ فيها المقتدر أحمد بن سليمان بن هود بدخول دانية وتملكها سنة 438.
وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعود الأنصاري المقري، أخذ عن أبي عمرو المقري، وكان من كبار أصحابه، وتصدر للإقراء، وعنه أخذ أبو داود سليمان بن نجاح قراءة نافع من طريق قالون عند قدومه دانية للأخذ عن أبي عمرو سنة 432، وحكي أنه ساكنه ونسخ الأصول منه وهو غلام دون العشرين، ولابن سعود هذا تواليف منها كتاب «الاختلاف بين نافع من رواية قالون وبين الكسائي من رواية الدوري»، وكتاب «السنن والاقتصاد في الفرق بين السين والصاد»، وكتاب «الاقتضاء للفرق بين الذال والضاد والظاء»، قال ابن الأبار في التكملة: وقفت عليها، وبعضها مكتوب عنه قبل السبعين والأربعمائة.
وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن سليمان العبدري، أخذ القراءات عن أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني إمام القراء، وروى عنه تواليف، وحدث عنه أبو العباس بن عيشون بالتيسير والتلخيص من كتب أبي عمرو، نقل ذلك ابن الأبار عن ابن خير.
وأبو عبد الله محمد بن أبي المسك يروي عن أبي الوليد الوقشي، وعن أبي داود المقري، حدث عنه أبو زكريا بن صاحب الصلاة - والد الأستاذ أبي محمد المعروف بعبدون - بعضه من خط محمد بن عياد الذي نقل عنه ابن الأبار.
وأبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي، يعرف بابن اللبانة. كان من جلة الأدباء وفحول الشعراء، غزير الأدب، قوي العارضة، متصرفا في البلاغة، وله تواليف منها كتاب «مناقل الفتنة»، وكتاب «نظم السلوك في وعظ الملوك»، وكتاب «سقيط الدرر ولقيط الزهر»، سمع منه بعضها في حاضرة المرية، وشعره مدون، توفي بميورقة سنة 507، ودفن إزاء أبي العرب الصقلي. وكان هذا طوالا، وكان ابن اللبانة دحداحا، ذكر ذلك ابن الأبار في التكملة.
وابن اللبانة هذا هو الذي قال أحسن قصائده في المعتمد ابن عباد صاحب إشبيلية، وكتب عن آل عباد من النثر أيضا ما حفظه الناس حفظ النظم لنفاسته. ولما كان كل من نظمه ونثره فيهم قد شرق وغرب، وأبكى وأطرب، فلا بأس في ذكر بعض ما قاله فيهم، فمن ذلك رثاؤه لهم بعد انقراض ملكهم في إشبيلية، وهي قصيدة رثاء لا يماثلها في التاريخ إلا قصيدة رثاء عمارة اليمني للخلفاء الفاطميين بمصر. قال ابن اللبانة في بني عباد، والراثي والمرثي كل منهما من آل لحم منسوب إلى شرف عبل الذراع ضخم:
تبكي السماء بمزن رائح غاد
على البهاليل من أبناء عباد
على الجبال التي هدت قواعدها
وكانت الأرض منهم ذات أوتاد
والرابيات عليها اليانعات ذوت
أنوارها فغدت في خفض أوهاد
عريسة دخلتها النائبات على
أساود لهم فيها وآساد
وكعبة كانت الآمال تخدمها
فاليوم لا عاكف فيها ولا باد
3
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ
في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد
ويا مؤمل واديهم ليسكنه
خف القطين وجف الزرع بالوادي
4
وأنت يا فارس الخيل التي جعلت
تختال في عدد منهم وإعداد
ألق السلاح وخل المشرفي فقد
أصبحت في لهوات الضيغم العادي
لما دنا الوقت لم تخلف له عدة
وكل شيء بميقات وميعاد
إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا
وقد خلت قبل حمص أرض بغداد
5
حموا حريمهم حتى إذا غلبوا
سيقوا على نسق في حبل مقتاد
وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا
فويق دهم لتلك الخيل أنداد
وعيث في كل طوق من دروعهم