وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب بن أحمد بن عمر الأنصاري البلنسي، قال الضبي صاحب بغية الملتمس: صاحبنا محدث ثقة ثبت، روى ببلنسية عن أبي الحسن بن النعمة وغيره، ثم رحل إلى المشرق، فأقام بالإسكندرية في مدرسة الحافظ السلفي نحوا من عشرين سنة، وكتب عنه ما لم يكتب أحد، وكان عالما بالرجال متقللا من الدنيا، لم يغير من هيئته التي كان بها بالأندلس، سكنت معه بالمدرسة مدة فحمدت حاله وزهده وورعه وانقباضه عن الناس، قال: لما صار الحافظ السلفي - رحمه الله - في عشر المائة أنشدنا:
ما كنت أرجو إذ ترعرعت أن
أبلغ من عمري سبعينا
فالآن والحمد لربي فقد
جاوزت من عمري تسعينا
ولما قارب المائة أنشدنا:
أنا من أهل الحديث
وهم خير فئه
جزت تسعين وأرجو
لأجوزن مائه
ولما جاوز المائة أنشدنا:
أنا إن بان شبابي ومضى
فبحمد الله ذهني حاضر
ولئن خفت وجفت أعظمي
كبرا غصن علومي ناضر
قال الضبي: سمع بقراءتي بالإسكندرية كثيرا، وحدث بها أخيرا، وروى عن كافة أهلها وعن الواردين عليها، واستجاز جميع محدثي العراق والشام فأجازوه. قال: وتوفي إبراهيم بن عبد الله في حدود التسعين وخمسمائة.
وإبراهيم بن عبد الصمد يكنى أبا عبد الصمد البلنسي، سكن بلنسية، قال الضبي: وأظنه من أهلها، شاعر مشهور. فمن شعره يصف قوما:
أناس إذا ما جئت أجلس بينهم
لأمر أراني في جماعتهم وحدي
إذا غضبوا كان الوعيد انتقامهم
وإن وعدوا لم يأت منهم سوى الوعد
وأبو القاسم خلف بن أحمد بن بطال البكري، روى عن أبي عبد الله بن الفخار، والقاضي أبي عبد الرحمن بن جحاف وغيرهما. قال ابن بشكوال في الصلة: حدث عنه أبو داود المقري، وشيخنا أبو بحر الأسدي، وذكره أيضا أبو محمد بن خزرج وقال: لقيته بإشبيلية سنة 454، وكان فقيها أصوليا من أهل النظر والاحتجاج لمذهب مالك، واستقضي بعض نواحي بلنسية، ومولده حدود سنة 398، ودخل إفريقية سنة 423، وتردد بالمشرق نحو أربعة أعوام طالبا للعلم، وحج سنة 452، وله مؤلفات حسان. انتهى بتصرف.
وأبو القاسم خلف مولى يوسف بن بهلول، يعرف بالبريلي، سكن بلنسية، كان فقيها حافظا للمسائل، وله مختصر في المدونة حسن جمع فيه أقوال أصحاب مالك، وهو كثير الفائدة. وكان أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه يقول: من أراد أن يكون فقيها من ليلته فعليه بكتاب البريلي، وكان مقدما في علم الوثائق، وتوفي سنة 443 وقد نيف على السبعين، ذكره ابن بشكوال في الصلة، قال: قرأت وفاته في كتاب ابن حدير، وقرأت بخط بعض أصحابنا أنه توفي ليلة الأربعاء، ودفن يوم الأربعاء لخمس بقين من ربيع الآخر عام 443.
وأبو بكر عبد العزيز بن محمد بن سعد، يعرف بابن القدرة، روى عن أبي عمر بن عبد البر وغيره، وكان فقيها مشاورا ببلده بلنسية، قال ابن بشكوال في الصلة: حدث عنه شيخنا أبو بحر الأسدي، وأبو علي بن سكرة وغيرهما، وتوفي سنة 484.
وأبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التجيبي القبري؛ نسبة إلى «قبرة» من عمل قرطبة، سكن بلنسية، سمع من أبي محمد الأصيلي، وأبي حفص بن نابل، وكان من أهل النبل والذكاء، سريا متواضعا، تقلد الصلاة والخطبة والأحكام ببلنسية، وذكره الحميدي وقال فيه: فقيه محدث أديب خطيب شاعر، أنشدني له أبو الحسن علي العائذي:
يا روضتي ورياض الناس مجدبة
وكوكبي وظلام الليل قد ركدا
إن كان صرف الليالي عنك أبعدني
فإن شوقي وحزني عنك ما بعدا
ولد يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة سنة 377، وتوفي ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة 456 بمدينة شاطبة، وحمل إلى بلنسية فدفن بها، وصلى عليه القاضي أبو المطرف بن جحاف، قال ابن بشكوال في الصلة: قرأت بخط ابن مدير: كان أبو شاكر ربعة من الرجال؛ ليس بالطويل ولا بالقصير، وسيما جميلا، حسن الهيئة والخلق، حسن السمت والهدي، وكان أشبه الناس بالسلف الصالح - رضي الله عنهم.