تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

66

أرض فلسطين، وله نظم عظيم الاتساع متصل العمارة، يذكر أنه ينتهي على أربعمائة قرية، فنازله هذا السلطان وضيق عليه، وطال حصاره، واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع، واختلاف المسلمين من دمشق إلى عكة كذلك، وتجار النصارى أيضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض، وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، وهي من الأمنة على غاية، وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال. وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، والدنيا لمن غلب.

هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك، ولا تعترض الرعايا ولا التجار، فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا، وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوفى الحديث عنه، والله يعلي كلمة الإسلام بمنه. ولهذه البلد قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية من البلد، وهي بإزاء باب الفرج من أبواب البلد، وبها جامع السلطان يجمع فيه، وعلى مقربة منها خارج البلد في جهة الغرب ميدانان كأنهما مبسوطان خزا لشدة خضرتهما، وعليهما حلق، والنهر بينهما، وغيضة عظيمة من الحور متصلة بهما، وهما من أبدع المناظر، يخرج السلطان إليهما، ويلعب فيهما بالصوالجة، ويسابق بين الخيل فيهما، ولا مجال للعين كمجالها فيهما، وفي كل ليلة يخرج أبناء السلطان إليهما للرماية والمسابقة واللعب بالصوالجة.

67

وبهذه البلدة أيضا قرب مائة حمام فيها وفي أرباضها، وفيها نحو أربعين دارا للوضوء يجري الماء فيها كلها، وليس في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب؛ لأن المرافق بها كثيرة.

وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية، والله يبقيها دار إسلام بمنه. وأسواق هذه البلدة من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاما وأبدعها وصفا، ولا سيما قيسارياتها، وهي مرتفعات كأنها الفنادق مسقفة كلها بأبواب حديد كأنها أبواب القصور، وكل قيسارية منفردة بصبغتها وأغلاقها الحديدية، ولها أيضا سوق يعرف بالسوق الكبير، يتصل من باب الجابية إلى باب شرقي

إلى أن يقول:

ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة عجيبة؛ وذلك أنهم يمشون أمام الجنازة بقراء يقرءون القرآن بأصوات شجية، وتلاحين مبكية تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا، يرفعون أصواتهم بها فتتلاقى الآذان بأدمع الأجفان، وجنائزهم يصلى عليها في الجامع قبالة المقصورة، فلا بد لكل جنازة من الجامع، فإذا انتهوا إلى بابه قطعوا القراءة، ودخلوا إلى موضع الصلاة عليها إلا أن يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته؛ فإن الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه، وربما اجتمعوا للعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد، فيصلون أفرادا أفرادا، ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرءنها، ونقباء الجنائز يرفعون أصواتهم بالنداء لكل واصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم، ويحلونهم بخططهم الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم، بالإضافة إلى الدين، فتسمع ما شئت من صدر الدين، أو شمسه، أو بدره، أو نجمه، أو زينه، أو بهائه، أو جماله، أو مجده، أو فخره، أو شرفه، أو معينه، أو محييه، أو زكيه، أو نجيبه، إلى ما لا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة وتتبعها، ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء، وجمال الأئمة، وحجة الإسلام، وفخر الشريعة، وشرف الملة، ومفتي الفريقين، إلى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية، فيصعد كل واحد منهم إلى الشرفة ساحبا أذياله من الكبر ثانيا عطفه وقذاله، فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس بهم منتهاه، قام وعاظهم واحدا واحدا بحسب رتبهم في المعرفة، فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا، وحذر وأنشد في المعنى ما حضر من الأشعار، ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى، ثم قعد وتلاه آخر على مثل طريقته إلى أن يتفرغوا ويتفرقوا، فربما كان مجلسا نافعا لمن يحضره من الذكرى. ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتخويل والتسويد وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة، وإذا لقي أحدا منهم آخر مسلما يقول: جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة؛ كناية عن السلام، فيتعاطون المحال تعاطيا، والجد عندهم عنقاء مغرب، وصفة سلامهم إيماء للركوع أو السجود، فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك، فواحد ينحط وآخر يقوم، وعمائمهم تهوي بينهم هويا. ا.ه.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٤١