64
وبإزائه مسجد صغير ينسب لعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وبذلك المشهد ماء جار. وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها إلى الدهليز، وهو كالخندق العظيم، يتصل إلى باب عظيم الارتفاع ينحسر الطرف دونه سموا، قد حفته أعمدة كالجذوع طولا وكالأطواد ضخامة، وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت عليها شوارع مستديرة فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم، وعليها شوارع أخرى مستطيلة، فيها الحجر والبيوت للكراء مشرفة على الدهليز، وفوقها سطح يبيت فيه سكان الحجر والبيوت. وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام، عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام، ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة مكشوفة للهواء لم ينعطف عليها تعتيب. وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة، فيرتفع إلى الهواء أزيد من القامة لم
65
وحوله أنابيب صغار ترمي الماء إلى علو، فيخرج عنها كقضبان اللجين، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية، ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف، وعن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار، ودبرت تدبيرا هندسيا؛ فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب، والثاني آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عظيم عجيب تتخيله الأوهام سحرا، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها، وتنقضي الساعات ثم تعود إلى حالها الأول.
ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عم الزجاجة ضوء المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها. وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها درب بشأنها وانتقالها يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها، وهي التي يسميها الناس المنجانة.
ودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين، وفيه سماط لبيع الفواكه، وفي أعلاه باب عظيم يصعد إليه على أدراج وله أعمدة سامية في الهواء، وتحت الأدراج سقايتان مستديرتان: سقاية يمينا وسقاية يسارا، لكل سقاية خمسة أنابيب ترمي الماء في حوض رخام مستطيل، ودهليز الباب الشمالي فيه زوايا على مصاطب محدقة بالأعواد المشرجبة هي محاضر لمعلمي الصبيان، وعن يمين الخارج في الدهليز خانقاه مبنية للصوفية في وسطها صهريج، ويقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا. والصهريج الذي في وسطها يجري الماء فيه، ولها مطاهر يجري الماء في بيوتها. وعن يمين الخارج أيضا من باب البريد مدرسة للشافعية في وسطها صهريج يجري الماء فيه، ولها مطاهر على الصفة المذكورة. وفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان يسيرا لهما رأسان من الصفر مستطيلان مشرجبان قد خرما أحسن تخريم، يسرجن ليلة النصف من شعبان؛ فيلوحان كأنهما ثرييان مشتعلتان. واحتفال أهل هذه البلدة لهذه الليلة المذكورة أكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم.