تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللجامع ثلاث صوامع: واحدة في الجانب الغربي، وهي كالبرج المشيد تحتوي على مساكن متسعة، وزوايا فسيحة راجعة كلها إلى أغلاق يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير، والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي - رحمه الله - ويسكنه اليوم الفقيه الزاهد أبو عبد الله بن سعيد من قلعة يحصب

62

المنسوبة لهم، وهو قريب لبني سعيد المشتهرين بالدنيا وخدمتها. وثانية بالجانب الغربي على هذه الصفة، وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطقيين.

وفي الصحن ثلاث قباب: إحداها في الجانب الغربي منه، وهي أكبرها، وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام، مستطيلة كالبرج، مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة، كأنها الروضة حسنا، وعليها قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة، يقال إنها كانت مخزنا لمال الجامع، وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ما ذكر لنا على الثمانية آلاف دينار صورية في السنة، وهي خمسة عشر ألف درهم مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قد ألصق أبدع إلصاق، قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام، وتحتها شباك حديد مستدير، وفي وسطه أنبوب من الصفر يمج الماء إلى علو، فيرتفع وينثني كأنه قضيب لجين يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافا واستحسانا، ويسمونه قفص الماء، والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة لكن أصغر منها.

وفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضي إلى مسجد كبير في وسطه صحن، قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير، يجري الماء فيه دائما من صفحة رخام أبيض مثمنة قد قامت وسط الصهريج، على رأس عمود مثقوب يصعد الماء منه إليها، ويعرف هذا الموضع بالكلاسة،

63

ويصلي فيه اليوم صاحبنا الفقيه الزاهد المحدث أبو جعفر الفنكي القرطبي، ويتزاحم الناس على الصلاة فيه خلفه؛ التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته، وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي إلى مسجد من أحسن المساجد وأبدعها وضعا وأجملها بناء، يذكر الشيعة أنه مشهد لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهذا من أغرب مختلقاتهم، ومن العجيب أنه يقابله في الجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي مجلل بستر في أعلاه، وأمامه ستر أيضا منسدل يزعم أكثر الناس أنه موضع لعائشة - رضي الله عنها - وأنها كانت تسمع الحديث فيه، وعائشة - رضي الله عنها - في دخول دمشق كعلي - رضي الله عنه - لكن لهم في علي - رضي الله عنه - مندوحة من القول؛ وذلك أنهم يزعمون أنه رئي في المنام مصليا في ذلك الموضع؛ فبنت الشيعة فيه مسجدا، وأما الموضع المنسوب لعائشة - رضي الله عنها - فلا مندوحة فيه، وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع، وكان هذا الجامع - المبارك ظاهرا وباطنا - منزلا كله بالفصوص المذهبة، مزخرفا بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة، فأدركه الحريق مرتين فتهدم وجدد، وذهب أكثر رخامه فاستحال رونقه، فأسلم ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث القباب المتصلة بها. ومحرابه من أنجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة، يتقد ذهبا كله، وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره تحفها سويريات مفتولات فتل الأسورة كأنها مخروطة لم ير شيء أجمل منها، وبعضها حمر كأنها مرجان، فشأن قبلة هذا الجامع المبارك مع ما يتصل بها من قبابه الثلاث، وإشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه، واتصال شعاع الشمس بها، وانعكاسه إلى كل لون منها حتى ترتمي الأبصار منه أشعة ملونة، يتصل ذلك بجداره القبلي كله عظيم لا يلحق وصفه ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر منه، والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنه.

وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان - رضي الله عنه - وهو المصحف الذي وجه به إلى الشام، وتفتح الخزانة كل يوم أثر الصلاة، فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله، ويكثر الازدحام عليه. وله أربعة أبواب: «باب» قبلي ويعرف بباب الزيارة، وله دهليز كبير متسع له أعمدة عظام، وفيه حوانيت للخرزيين وسواهم، وله مرأى رائع، ومنه يفضي إلى دار الخيل، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين، وهي كانت دار معاوية - رضي الله عنه - وتعرف بالخضراء، «وباب» شرقي وهو أعظم الأبواب، ويعرف ببار جيرون، و«باب» غربي ويعرف بباب البريد، «وباب» شمالي ويعرف بباب الناطفيين، وللشرقي والغربي والشمالي أيضا من هذه الأبواب دهاليز متسعة يفضي كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها مداخل الكنيسة، فبقيت على حالها، وأعظمها منظرا الدهليز المتصل بباب جيرون، يخرج من هذا الباب إلى بلاط طويل عريض قد قامت أمامه خمسة أبواب مقوسة لها ستة أعمدة طوال، وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي - رضي الله عنهما - ثم نقل إلى القاهرة،

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٣٨