56
وأشرف متعمدا بذلك زي الأتراك تعمية لشأنه، لكن الشمس لا تخفى وإن سترت، وذلك عشية يوم السبت السادس لصفر سنة ثمانين، وأبصرناه أيضا عشي يوم الأحد بعده متطلعا من منظرته المذكورة بالشرق الغربي، وكنا نسكن بمقربة منها.
والشرقية حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب، تشتمل من الخلق على بشر لا يحصيهم إلا الله تعالى الذي أحصى كل شيء عددا، وبها من الجوامع ثلاثة كل يجمع فيها جامع الخليفة متصل بداره، وهو جامع كبير، وفيه سقايات عظيمة ومرافق كثيرة كاملة؛ مرافق الوضوء والطهور. وجامع السلطان - وهو خارج البلد، ويتصل به قصور تنسب للسلطان أيضا - معروف بشاه شاه، وكان مدبر أمر أجداد هذا الخليفة، وكان يسكن هنالك فابتنى الجامع أمام مسكنه. وجامع الرصافة، وهو على الجانب الشرقي المذكور وبينه وبين جامع هذا السلطان المذكور مسافة نحو الميل. وبالرصافة تربة الخلفاء العباسيين - رحمهم الله - فجميع جوامع البلد ببغداد المجمع فيها أحد عشر. وأما حماماتها فلا تحصى عدة، ذكر لنا أحد أشياخ البلد أنها بين الشرقية والغربية نحو الألفي حمام،
57
وأكثرها مطلية بالقار مسطحة به، فيخيل للناظر أنها رخام أسود صقيل. وحمامات هذه الجهات أكثرها على هذه الصفة لكثرة القار عندهم؛ لأن شأنه عجيب، يجلب من عين بين البصرة والكوفة. وقد أنبط الله ماء هذه العين ليتولد منه القار، فهو يصير في جوانبه كالصلصال، فيجرف ويجلب، وقد انعقد، فسبحان خالق ما يشاء! لا إله سواه.
وأما المساجد بالشرقية والغربية فلا يأخذها التقدير، فضلا عن الإحصاء، والمدارس بها نحو الثلاثين، وهي كلها بالشرقية، وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها النظامية، وهي التي ابتناها نظام الملك، وجددت سنة أربع وخمسمائة، ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة تتصير إلى الفقهاء والمدرسين بها، ويجرون بها على الطلبة ما يقوم بهم، ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلد، فرحم الله واضعها الأول، ورحم من تبع ذلك السنن الصالح.
وللشرقية أربعة أبواب؛ فأولها - وهو في أعلى الشط - باب السلطان، ثم باب الظفرية، ثم يليه باب الحلبة، ثم باب البصلية، هذه الأبواب التي هي في السور المحيط بها من أعلى الشط إلى أسفله، هو ينعطف عليها كنصف دائرة مستطيلة، وداخلها في الأسواق أبواب كثيرة، وبالجملة فشأن هذه البلدة أعظم من أن يوصف، وأين هي مما كانت عليه؟! هي اليوم داخلة تحت قول حبيب:
لا أنت أنت ولا الديار ديار
واتفق رحيلنا من بغداد إلى الموصل إثر صلاة العصر من يوم الاثنين الخامس عشر لصفر، وهو الثامن والعشرون لماية، فكان مقامنا بها ثلاثة عشر يوما ونحن في صحبة الخاتونين: خاتون بنت مسعود المتقدمة الذكر في هذا التقييد، وخاتون أم معز الدين صاحب الموصل وأرض الأعاجم المتصلة بالدروب التي إلى طاعة الأمير مسعود، والد إحدى الخاتونين المذكورتين، وتوجه حاج خراسان وما يليها صحبة الخاتون الثالثة ابنة الملك الدقوس،
58
وطريقهم على الجانب الشرقي من بغداد، وطريقنا نحن إلى الموصل على الجانب الغربي منها، وهاتان الخاتونان هما أميرتا هذا العسكر الذي توجهنا فيه وقائدتاه، والله لا يجعلنا تحت قول القائل:
ضاع الرعيل ومن يقوده
ولهما أجناد برسمهما، وزادهما الخليفة جندا يشيعونهما مخافة العرب الخفاجيين المضرين بمدينة بغداد. وفي تلك العشية التي رحلنا فيها فجاءتنا خاتون المسعودية المترفة شبابا وملكا، وهي قد استقلت في هودج موضوع على خشبتين معترضتين بين مطيتين: الواحدة أمام الأخرى، وعليهما الجلال المذهبة، وهما يسيران بها سير النسيم سرعة ولينا، وقد فتح لها أمام الهودج وخلفه بابان، وهي ظاهرة في وسطه متنقبة وعصابة ذهب على رأسها وأمامها رعيل من فتيانها وجندها، وعن يمينها جنائب المطايا والهماليج العتاق، ووراءها ركب من جواريها قد ركبن المطايا والهماليج على السروج المذهبة، وعصبن رءوسهن بالعصائب الذهبيات والنسيم يتلاعب بعذباتهن، وهن يسرن خلف سيدتهن سير السحاب، ولها الرايات والطبول والبوقات تضرب عند ركوبها وعند نزولها.