وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان، وهي مدينة صغيرة فيها المارستان الشهير ببغداد، وهو على دجلة، وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون أحوال المرضى به، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قومة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية والماء يدخل إليه من دجلة، وأسماء سائر المحلات يطول ذكرها كالوسيطة، وهي بين دجلة ونهر يتفرع من الفرات وينصب في دجلة، يجيء فيه جميع المرافق التي في الجهات التي يسقيها الفرات ويشق على باب البصرة الذي ذكرنا محلته نهر آخر منه وينصب أيضا في دجلة.
ومن أسماء المحلات العتابية، وبها تصنع الثياب العتابية، وهي حرير وقطن مختلفات الألوان. ومنها الحربية وهي أعلاها، وليس وراءها إلا القرى الخارجة عن بغداد إلى أسماء يطول ذكرها، وبإحدى هذه المحلات قبر معروف الكرخي؛ وهو رجل من الصالحين مشهور في الأولياء. وفي الطريق إلى باب البصرة مشهد حفيل البنيان داخله قبر متسع السنام عليه مكتوب: هذا قبر عون ومعين من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وفي الجانب الغربي أيضا قبر موسى بن جعفر - رضي الله عنهما - إلى مشاهد كثيرة مما لم تحضرنا تسميته من الأولياء والصالحين والسلف الكريم - رضي الله عن جميعهم.
وبأعلى الشرقية خارج البلد محلة كبيرة بإزاء محلة الرصافة. وبالرصافة كان الطاق المشهور على الشط، وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان، له قبة بيضاء سامية في الهواء، فيه قبر الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - وبه تعرف المحلة. وبالقرب من تلك المحلة قبر الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - وفي تلك الجهات أيضا قبر أبي بكر الشبلي - رحمه الله - وقبر الحسين بن منصور الحلاج، وببغداد من قبور الصالحين كثير - رضي الله عنهم.
وبالغربية هي البساتين والحدائق، ومنها تجلب الفواكه إلى الشرقية، وأما الشرقية فهي اليوم دار الخلافة، وكفاها بذلك شرفا واحتفالا ودور الخليفة مع آخرها، وهي تقع منها في نحو الربع أو أزيد؛ لأن جميع العباسيين في تلك الديار معتقلون اعتقالا جميلا لا يخرجون ولا يظهرون ولهم المرتبات القائمة بهم، وللخليفة من تلك الديار جزء كبير قد اتخذ فيها المناظر المشرفة والقصور الرائعة والبساتين الأنيقة، وليس له اليوم وزير، إنما له خديم يعرف بنائب الوزارة، يحضر الديوان المحتوي على أموال الخلافة، وبين يديه الكتب، فينفذ الأمور، وله قيم على جميع الديار العباسية، وأمين على كافة الحرم الباقيات من عهد جده وأبيه وعلى جميع من تضمه الحرمة الخلافية، يعرف بالصاحب مجد الدين أستاذ الدار، هذا لقبه، ويدعى له إثر الدعاء للخليفة، وهو قلما يظهر للعامة اشتغالا بما هو بسبيله من أمور تلك الديار وحراستها والتكفل بمغالقها وتفقدها ليلا ونهارا.
ورونق هذا الملك إنما هو على الفتيان والأحابش المجابيب، منهم فتى اسمه خالص، وهو قائد العسكرية كلها، أبصرناه خارجا أحد الأيام وبين يديه وخلفه أمراء الأجناد من الأتراك والديلم وسواهم، وحوله نحو خمسين سيفا مسلولة في أيدي رجال قد احتفوا به، فشاهدنا من أمره عجبا في الدهر، وله القصور والمناظر على دجلة، وقد يظهر الخليفة في بعض الأحيان بدجلة راكبا في زورق، وقد يصيد في بعض الأوقات في البرية وظهوره على حالة اختصار تعمية لأمره على العامة، فلا يزداد أمره من تلك التعمية إلا اشتهارا، وهو مع ذلك يحب الظهور للعامة، ويؤثر التحبب لهم، وهو ميمون النقيبة عندهم قد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلا وطيب عيش، فالكبير والصغير منهم داع له، أبصرنا هذا الخليفة المذكور، وهو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله بن المستضيء بنور الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف، ويتصل نسبه إلى أبي الفضل جعفر المقتدر بالله إلى السلف فوقه من أجداده الخلفاء - رضوان الله عليهم - بالجانب الغربي أمام منظرته، وقد انحدر عنها صاعدا في الزورق إلى قصره بأعلى الجانب الشرقي على الشط، وهو في فتاء من سنه أشقر اللحية صغيرها كما اجتمع بها وجهه حسن الشكل جميل المنظر، أبيض اللون معتدل القامة، رائق الرواء، سنه نحو الخمس والعشرين سنة، لابسا ثوبا أبيض شبه القباء برسوم ذهب فيه، وعلى رأسه قلنسوة مذهبة مطوقة بوبر أسود من الأوبار الغالية القيمة المتخذة للباس الملوك مما هو كالفنك،