تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك ترحم العصاة وتتغمد الجناة وتستدام العصمة والنجاة، والله تعالى يجازي كل ذي مقام عن مقامه، ويتغمد ببركة العلماء الأولياء عباده العاصين من سخطه وانتقامه برحمته وكرمه، إنه المنعم لا رب سواه ولا معبود إلا إياه، وشهدنا له مجلسا ثانيا إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور، وحضر ذلك اليوم مجلسه سيد العلماء الخراسانية ورئيس الأئمة الشافعية، ودخل المدرسة النظامية بهز عظيم وتطريف آماق تشوقت له النفوس، فأخذ الإمام المتقدم الذكر في وعظه مسرورا بحضوره ومتجملا به، فأتى بأفانين من العلوم على حسب مجلسه المتقدم الذكر في هذا التقييد المشهر المآثر والمكارم المقدم بين الأكابر والأعاظم.

ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي بإزاء داره على الشط بالجانب الشرقي، وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي، وهو يجلس به كل يوم سبت، فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولا زيد، وفي جوف الفرا كل الصيد، آية الزمان وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة، مالك أزمة الكلام في النظم والنثر، والغائص في بحر فكره على نفائس الدر؛ فأما نظمه فرضي الطباع مهياري الانطباع، وأما نثره فيصدع بسحر البيان، ويعطل المثل بقس وسحبان، ومن أبهر آياته وأكبر معجزاته أنه يصعد المنبر ويبتدئ القراء بالقرآن، وعددهم نيف على العشرين قارئا، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القرآن يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة، وقد أتوا بآيات مشتبهات لا يكاد المتقد الخاطر يحصيها عددا أو يسميها نسقا، فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في إيراد خطبته عجلا مبتدرا، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه دررا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته، فقرأ وأتى بها على نسق القراءة لها لا مقدما ولا مؤخرا، ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها، فلو أن أبدع من في مجلسه تكلف تسمية ما قرأ من القرآن آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك، فكيف بمن ينتظمها مرتجلا ويورد الخطبة الغرا بها عجلا

أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ،

إن هذا لهو الفضل المبين .

فحدث ولا حرج عن البحر، وهيهات ليس الخبر عنه كالخبر، ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر طارت لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الأنفس احتراقا، إلى أن علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على الصباح كل يلقي ناصيته بيده فيجزها ويمسح على رأسه داعيا له، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه؛ فشهدنا هولا يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكرها هول القيامة، فلو لم نركب ثبج البحر ونعتسف مفازات القفر إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناجحة، والحمد لله على أن من بلقاء من يشهد الجمادات بفضله ويضيق الوجود عن مثله.

وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل، وتطير إليه الرقاع؛ فيجاوب أسرع من طرفة عين، وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، لا إله سواه.

ثم شهدنا مجلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب بدر في مساحة قصور الخليفة ومناظره مشرفة عليه، وهذا الموضع المذكور، وهو من حرم الخليفة وخص بالوصول إليه والتكلم فيه، ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته، ومن حضر من الحرم، ويفتح الباب للعامة فيدخلون إلى ذلك الموضع وقد بسط بالحصر، وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس، فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور، وقعدنا إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم، فصعد المنبر وأرخى طيلسانه عن رأسه تواضعا لحرمة المكان، وقد تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة، فابتدروا القراءة على الترتيب، وشوقوا ما شاءوا، وأطربوا ما أرادوا، وبادرت العيون بإرسال الدموع، فلما فرغوا من القراءة - وقد أحصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات - صدع بخطبته الزهراء الغراء، وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات، ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب إلى أن أكملها، وكانت الآية:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٣١