ودون هؤلاء في الراحة راكبو المحارات، وهي شبيهة بالشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب، لكن الشقادف أبسط وأوسع وهذا أضم وأضيق، وعليها أيضا ظلائل تقي حر الشمس، ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار، فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب. (5-2) وله في ذكر مدينة السلام بغداد حرسها الله تعالى
هذه المدينة العتيقة - وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية ومثابة الدعوة الإمامية القرشية الهاشمية - قد ذهب أكثر رسمها، ولم يبق منها إلا شهير اسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس والأثر الطامس أو تمثال الخيال الشاخص،
55
فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعي من المستوفز العقلة والنظر إلا دجلتها التي هي بين شرقيها وغربيها منها كالمرآة المجلوة بين صفحتين أو العقد المنتظم بين لبتين، فهي تردها ولا تظمأ، وتتطلع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ من ذلك على شهرة في البلاد معروفة موصوفة؛ ففتن الهوى - إلا أن يعصم الله منها - مخوفة، وأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع بالتواضع رياء ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء، يزدرون الغرباء، ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء، ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء، قد تصور كل منهم في معتقده وخلده أن الوجود كله يصغر بالإضافة لبلده؛ فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنهم لا يعتقدون أن لله بلادا أو عبادا سواهم، يسحبون أذيالهم أشرا أو بطرا، ولا يغيرون في ذات الله منكرا، يظنون أن أسنى الفخار في سحب الإزار، ولا يعلمون أن فضله بمقتضى الحديث المأثور في النار.
يتبايعون بينهم بالذهب قرضا، وما منهم ما يحسن لله قرضا، فلا نفقة فيها إلا من دينار تقرضه وعلى يدي مخسر للميزان تعرضه، لا تكاد تظفر من خواص أهلها بالورع العفيف، ولا تقع من أهل موازينها ومكاييلها إلا على من ثبت له الويل في سورة التطفيف، لا يبالون في ذلك بعيب كأنهم من بقايا مدين قوم النبي شعيب ؛ فالغريب فيهم معدوم الإرفاق متضاعف الإنفاق، لا يجد من أهلها إلا من يعامله بنفاق، أو يهش إليه هشاشة انتفاع واسترفاق، كأنهم من التزام هذه الخلة القبيحة على شرط اصطلاح بينهم واتفاق؛ فسوء معاشرة أبنائها يغلب على طبع هوائها ومائها، ويعلل حسن المسموع من أحاديثها وأنبائها، أستغفر الله إلا فقهاءهم المحدثين ووعاظهم المذكورين.
لا جرم أن لهم في طريقة الوعظ والتذكير ومداومة التنبيه والتبصير والمثابرة على الإنذار المخوف والتحذير مقامات تستنزل لهم من رحمة الله تعالى ما يحط كثيرا من أوزارهم، ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم، ويمنع القارعة الصماء أن تحل بديارهم، لكنهم معهم يضربون في حديد بارد ويرومون تفجير الجلامد، فلا يكاد يخلو يوم من أيام جمعتهم من واعظ يتكلم فيه، فالموفق منهم لا يزال في مجلس ذكر أيامه كلها، لهم في ذلك طريقة مباركة ملتزمة، فأول من شهدنا مجلسه منهم الشيخ الإمام رضي الدين القزويني، رئيس الشافعية وفقيه المدرسة النظامية والمشار إليه بالتقديم في العلوم الأصولية، حضرنا مجلسه بالمدرسة المذكورة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الخامس لصفر المذكور، فصعد المنبر وأخذ القراء أمامه في القراءة على كراسي موضوعة، فتوقوا وشوقوا وأتوا بتلاحين معجبة ونغمات محزنة مطربة، ثم اندفع الإمام الشيخ المذكور فخطب خطبة سكون ووقار، وتصرف في أفانين من العلوم من تفسير كتاب الله - عز وجل - وإيراد حديث رسوله
صلى الله عليه وسلم
والتكلم على معانيه، ثم رشقته شآبيب المسائل من كل جانب، فأجاب وما قصر، وتقدم وما تأخر.
ودفعت إليه عدة رقاع فيها فجمعها جملة في يده، وجعل يجاوب على كل واحدة منها وينبذ بها إلى أن فرغ منها، وحان المساء فنزل وافترق الجمع، فكان مجلسه مجلس علم ووعظ وقورا هينا لينا ظهرت فيه البركة والسكينة، ولم تقصر عن إرسال عبرتها فيه النفس المستكينة، ولا سيما آخر مجلسه فإنه سرت حميا وعظه إلى النفوس حتى أطارتها خشوعا وفجرتها دموعا، وبادر التائبون إليه سقوطا على يده وقوعا، فكم ناصية جز، وكم مفصل من مفاصيل التائبين طبق بالموعظة وحز.