تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

رقيق سحابي اللون قد علا كورها رأسه، كأنها سحابة مركومة، وهي مصفحة بالذهب، وتحت الجلة خلعتان من الدبيقي

50

المرسوم البديع الصنعة، خلعها عليه الأمير سيف الإسلام؛ فوصل بها فرحا جذلان والطبول والدبادب تشيعه عن أمر سيف الإسلام إشارة بتكرمته وإعلاما بمأثرة منزلته، فطاف بالبيت المكرم شكرا لله على ما وهبه من كرامة هذا الأمير بعد أن كان أوجس في نفسه خيفة منه، والله يصلحه ويوفقه بمنه.

51

وفي يوم الجمعة وصل الأمير سيف الإسلام للصلاة أول الوقت، وفتح البيت المكرم فدخله مع الأمير مكثر، وأقام به مدة طويلة، ثم خرجا، وتزاحم الغز للدخول تزاحما أبهت الناظرين حتى أزيل الكرسي الذي يصعد عليه، فلم يغن عن ذلك شيئا، وأقاموا على الازدحام في الصعود بإشالة بعضهم على بعض، وداموا على هذه الحالة إلى أن وصل الخطيب فخرجوا لاستماع الخطبة، وأغلق الباب، وصلى الأمير سيف الإسلام مع الأمير مكثر في القبة العباسية، فلما انقضت الصلاة خرج على باب الصفا وركب إلى مضرب أبنيته.

وفي يوم الأربعاء العاشر منه خرج الأمير المذكور بجنوده إلى اليمن، والله يعرف أهلها من المسلمين في مقدمه خيرا بمنه. وهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه، وكل وتر من الليالي العشر الأواخر يختم فيها القرآن، فأولها ليلة إحدى وعشرين، ختم فيها أحد أبناء أهل مكة، وحضر الختمة القاضي وجماعة من الأشياخ، فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى منزله إلى طعام وحلو قد أعدهما، واحتفل فيهما، ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين، وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار، غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة، فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا؛ وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة، وأعد إليها شمعا كثيرا، ووضع في وسط الحزم مما يلي باب بني شيبة المحراب المربع من أعواد مشرجبة قد أقيم على قوائم أربع، وربطت في أعلاه عيدان نزلت منها قناديل، وأسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل، وسمر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف غرز فيها الشمع فاستدار بالمحراب كله، وأوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه، وأمعن الاحتفال في هذا كله، ووضع بمقربة من المحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان، وحضر الإمام الطفل فصلى التراويح وختم، وقد احتشد أهل المسجد الحرام إليه رجال ونساء وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به، ثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة إمامية وسكينة غلامية مكحل العينين مخضوب الكفين إلى الزندين، فلم يستطع الخلوص إلى منبره من كثرة الزحام، فأخذه أحد سدنة تلك الناحية في ذراعه حتى ألقاه على ذروة منبره، فاستوى مبتسما وأشار إلى الحاضرين مسلما.

وقعد بين يديه قراء فابتدروا القراءة على لسان واحد، فلما أكملوا عشرا من القرآن قام الخطيب فصدع بخطبته يحرك لها أكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع، وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أنوار الشمع في أيديهم ويرفعون أصواتهم بيا رب يا رب عند كل فصل من فصول الخطبة، يكررون ذلك، والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك، فيسكت الخطيب إلى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته، وتمادى فيها متصرفا في فنون من التذكير، وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق - كرمه الله - فحسر عن ذراعيه مشيرا إليه، وأردفه بذكر زمزم والمقام؛ فأشار إليهما بكلتا أصبعيه، ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه، ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء، ثم نزل، وانفض ذلك الجمع العظيم.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٢٦