تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وتقدمت أثقاله إلى الصفراء، والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها، وفتنة حدثت من أمرائها، لكن وقع في نفوس المكيين منه إيحاش خيفة واستشعار خشية، فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا ومسلما، وفي الحقيقة مستسلما، والله تعالى يعرف المسلمين خيرا.

وفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم، فسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة يولولن عليه، فبينا نحن كذلك دخل منصرفا من لقاء الأمير سيف الإسلام المذكور وطائفا بالبيت المكرم طواف التسليم، والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه والسرور بسلامته، وقد شاع الخبر بنزول سيف الإسلام الزاهر

46

وضرب أبنيته فيه ومقدمته من العسكر قد وصلت إلى الحرم، وزاحمت الأمير مكثرا في الطواف، فبينا الناس ينظرون إليهم إذ سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة، فما راعهم إلا الأمير سيف الإسلام داخلا من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه، والقاضي عن يمينه، وزعيم الشيبيين عن يساره، والمسجد قد ارتج وغص بالنظارة والوافدين، والأصوات بالدعاء له ولأخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الأسماع، وأذهلت الأذهان، والمؤذن الزمزمي في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه، وأصوات الناس تعلو على صوته، والهول قد عظم مرأى ومستمعا، فلحين دنو الأمير من البيت المعظم أغمدت السيوف، وتضاءلت النفوس، وخلعت ملابس العزة، وذلت الأعناق، وخضعت الرقاب، وطاشت الألباب مهابة وتعظيما لبيت ملك الملوك العزيز الجبار الواحد القهار، مؤتي الملك من يشاء، ونازع الملك ممن يشاء، سبحانه جلت قدرته وعز سلطانه، ثم تهافتت هذه العصابة الغزية

47

على بيت الله العتيق تهافت الفراش على المصباح، وقد نكس أذقانهم الخضوع، وبلت سبالهم الدموع، وطاف والقاضي وزعيم الشيبيين بسيف الإسلام والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام ، فأسرع إلى الفراغ من الطواف، وبادر إلى منزله، وعندما أكمل سيف الإسلام طوافه صلى خلف المقام، ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها، ثم خرج على باب الصفا إلى السعي، فابتدأه ماشيا على قدميه تواضعا وتذللا لمن يجب التواضع له والسيوف مصلوطة

48

أمامه، وقد اصطف الناس من أول المسعى إلى آخره سماطين مثل ما صنعوا أيضا في الطواف، فسعى على قدميه طريقين من الصفا إلى المروة، ومنها إلى الصفا، وهرول بين الميلين الأخضرين، ثم قيده الإعياء فركب وأكمل السعي راكبا، وقد حشر الناس ضحى، يعني وقتا، ثم عاد هذا الأمير إلى المسجد الحرام على حالته من الإرهاب والهيبة، وهو يتهادى بين بروق خواطف السيوف المصلتة، وقد بادر الشيبيون إلى باب البيت المكرم ليفتحوه، ولم يكن يوم فتحه ووضع الكرسي الذي يصعد عليه؛ فرقي فيه الأمير، وتناول زعيم الشيبيين فتح الباب، فإذا المفتاح قد سقط من كمه في ذلك الزحام؛ فوقف وقفة دهش مذعور، ووقف الأمير على الأدراج، فيسر الله للحين في وجود المفتاح؛ ففتح الباب الكريم، ودخل الأمير وحده مع الشيبي وأغلق الباب، وبقي وجوه الأغزاز وأعيانهم مزدحمين على ذلك الكرسي، فبعد لأي ما فتح لأمرائهم المقربين فدخلوا، وتمادى مقام سيف الإسلام في البيت الكريم مدة طويلة، ثم خرج وانفتح الباب للكافة منهم، فيا له من ازدحام وتراكم وانتظام، حتى صاروا كالعقد المستطيل، وقد اتصلوا وتسلسلوا، فكان يومهم أشبه شيء بأيام السرو في دخولهم البيت حسبما تقدم وصفه.

وركب الأمير سيف الإسلام، وخرج إلى مضرب بنيته بالموضع المذكور، وكان هذا اليوم بمكة من الأيام الهائلة المنظر العجيبة المشهد الغريبة الشأن، فسبحان من لا ينقضي ملكه ولا يبيد سلطانه، لا إله سواه، وصحب هذا الأمير جملة من حجاج مصر وسواها اغتناما لطريق البر والأمن، فوصلوا في عافية وسلامة والحمد لله، وفي ضحوة يوم الخميس بعده كنا أيضا بالحجر الكريم، فإذا بأصوات طبول ودبادب وبوقات قد قرعت الآذان، وارتجت لها نواحي الحرم الشريف، فبينا نحن نتطلع لاستعلام خبرها طلع علينا الأمير مكثر وحاشيته الأقربون حوله وهو رافل في حلة ذهب كأنها الجمر المتقد يسحب أذيالها، وعلى رأسه عمامة شرب

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٢٥