تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فناجز متى شئت أو صابر

فكلهم غارق هالك

بتيار عسكرك الزاخر

ثأرت لدين الهدى في العدى

فآثرك الله من ثائر

وقمت بنصر إله الورى

فسماك بالملك الناصر

وتسهر جفنك في حق من

سيرضيك في جفنك الساهر

فتحت المقدس من أرضه

فعادت إلى وصفها الطاهر

وجئت إلى قدسه المرتضى

فخلصته من يد الكافر

وأعليت فيه منار الهدى

وأحييت من رسمه الداثر

لكم ذخر الله هذي الفتوح

من الزمن الأول الغابر

وكم خص من بعدما زدته

بها لاصطناعك في الآخر

محبتكم ألقيت في النفوس

بذكر لكم في الورى طاهر

فكم لهم عند ذكر الملوك

بمثلك من مثل سائر

رفعت مغارم أرض الحجاز

بإنعامك الشامل الغامر

وآمنت أكناف تلك البلاد

فهان السبيل على العابر

وسحب أياديك فياضة

على وارد وعلى صادر

فكم لك بالشرق من حامد

وكم لك في الغرب من شاكر

وكم بالدعاء لكم كل عام

بمكة من معلن جاهر

ومنها عن من يظلم الحجاج:

يعنت حجاج بيت الإله

ويسطو بهم سطوة الجائر

ويكشف عما بأيديهم

وناهيك من موقف صاغر

وقد أوقفوا بعدما كوشفوا

كأنهم في يد الآسر

ويلزمهم حلفا باطلا

وعقبى اليمين على الفاجر

وإن عرضت بينهم حرمة

فليس لها عنه من ساتر

أليس يخاف غدا عرضه

على الملك القادر القاهر

وليس على حرم المسلمين

بتلك المشاهد من غائر

ولا حاضر نافع زجره

فيا ذلة الحاضر الزاجر

ألا ناصح مبلغ نصحه

إلى الملك الناصر الظافر

ظلوما تضمن مال الزكاة

لقد نفست صفقة الخاسر

يسر الخيانة في باطن

ويبدي النصيحة في الظاهر

فأوقع به حادثا أنه

يقبح أحدوثة الذاكر

فما للمناكر من زاجر

سواك وبالعرف من آمر

وحاشاك إن لم تزل رسمها

فما لك في الناس من عاذر

ورفعك أمثالها موسعا

رداء فخارك من ناشر

وآثارك الغر تبقى بها

وتلك المآثر للآثر

نذرت النصيحة في حقكم

وحق الوفاء على الناذر

وحبك ألطفني بالقريض

وما أبتغي صلة الشاعر

ولا كان فيما مضى مكسبي

وبئس البضاعة للتاجر

إذا الشعر صار شعار الفتى

فناهيك من لقب شاهر

وإن كان نظمي له نادرا

فقد قيل: لا حكم للنادر

ولكنها خطرات الهوى

تعن فتغلب بالخاطر

وأما وقد زار تلك العلا

فقد فاز بالشرف الباهر

وإن كان منك قبول له

فتلك الكرامة للزائر

ويكفيك سمعك من سامع

ويكفيك لحظك للناظر

ويزهي على الروض غب الحيا

بما حاز من ذكرك العاطر

قلت: هكذا حدثني أبو عبد الله بهذه الحكاية، وقد وقعت في كتابه مشهورة لم يذكر فيها إلا ما أثبته، وبالله التوفيق.

وأنشدني أبو عبد الله أيضا عن أبي العباس المذكور عن ابن جبير قصيدة، نظمها ارتجالا حين تراءت له مدينة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وهي هذه الأبيات:

أقول وآنست ... ... ... ...

الأبيات.

وقال علي بن ظافر في «بدائع البدائه»: أنبأني المسكين نزلت من القرافة لوداع الأجل أبي الحسين بن جبير، فقال: كنت على المجيء إليك، فقلت: وهمة سيدي هي التي أتت به. فسألني عن القرافة، فقلت: هي موضع يصلح للخير والشر، من طلب شيئا وجده، فقال: خذ هذه الحكاية: كنت متفرجا في مكان وبت به، ثم أقبلت بكرة، فلقيني تلميذ لي فقال:

من أين أقبلت يا من لا نظير له

ومن هو الشمس والدنيا له فلك

فأجبته مسرعا:

من موضع تعجب النساك خلوته

وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا (5) رحلة ابن جبير

ولقد أطلنا في أخبار ابن جبير الأندلسي زيادة على كل أندلسي؛ وذلك لزيادة شهرته، لا سيما في المشرق الذي طال ترداده إليه واختلاطه بأهله واجتماعه بعلمائه. ولما كانت شهرته في نثره لا في نظمه، وهذه رحلته المتداولة بين جميع الأيدي أعظم شاهد على ملكه أعنة البيان، وكونه في النثر الفذ المشار إليه بالبنان، نقلنا هنا أمثلة من هذه الرحلة السرية وعباراتها العبقرية، وحلينا بنقلها جيد هذا التاريخ ليكون له حظ من الأدب، فضلا عن تمثيل حالة الشرق في ذلك العصر، وإظهار ما بين الشرق وصنوه الغرب من المناسبات والعلاقات، ولا سيما لما في هذه الرحلة من وصف البيت الحرام، وذكر المشاعر العظام، وزيارة مرقد الرسول عليه الصلاة والسلام: (5-1) شهر رمضان المعظم عرفنا الله بركته

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٢٣