تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومدينة ماردة كانت دار مملكة «لماردة»

239

بنت هرسوس الملك، وبها من البناء آثار ظاهرة، تنطق عن ملك وقدرة، وتعرب عن نخوة وعزة، وتفصح عن غبطة. فمن هذه البناآت أن في غربي المدينة قنطرة كبيرة ذات قسي، عالية الذروة، كثيرة العدد، عريضة المجاز. قد بنى على ظهر القسي أقباء تتصل من داخل المدينة إلى آخر القنطرة، ولا يرى الماشي بها. وفي داخل هذا «الداموس»

240

قناة ماء تصل المدينة. ومشى الناس والدواب على تلك الدواميس. وهي متقنة البناء، وثيقة التأليف، حسنة الصنعة. والمدينة عليها سور حجارة متجورة من أحسن صنعة وأوثق بناء. ولها في قصبتها قصور خربة. وفيها دار يقال لها دار الطبيخ، وذلك أنها في ظهر مجلس القصر، وكان الماء يأتي دار الطبيخ في ساقية، هي الآن بها باقية الأثر، لا ماء بها، فتوضع صحاف الذهب والفضة بأنواع الطعام في تلك الساقية على الماء حتى تخرج بين يدي الملكة، فترفع على الموائد. ثم إذا فرغ من أكل ما فيها وضعت في الساقية، فتستدير إلى أن تصل إلى يد الطباخ بدار الطبخ، فيرفعها بعد غسلها. ثم تمر بقية ذلك الماء في سروب القصر. ومن أغرب الغريب جلب الماء الذي كان يأتي إلى القصر على عمد مبنية تسمى «الأرجالات»،

241

وهي أعداد كثيرة باقية إلى الآن قائمة على قوام، لم تخل بها الأزمان ولا غيرتها الدهور، ومنها قصار ومنها طوال، بحسب الأماكن التي وجب فيها البناء، وأطولها يكون غلوة سهم، وهي على خط مستقيم. وكان الماء يأتي عليها في قنى مصنوعة، خربت وفنيت، وبقيت تلك الأرجالات قائمة يخيل إلى الناظر إليها أنها من حجر واحد، لحكمة إتقانها، وتجويد صنعتها. وفي وسط هذه المدينة احتاء قوس، يدخل عليه الفارس بيده علم قائم، عدة أحجاره 11 حجرا فقط، في كل عضادة منها ثلاثة أحجار، وفي القوس أربعة أحجار حنيات، وواحد قفل، فكانت الجملة 11 حجرا. وفي الجنوب من سور هذه المدينة قصر آخر صغير، وفي برج منه كان مكان مرآة، كانت الملكة ماردة تنظر إلى وجهها فيها. ومحيط دوره 20 شبرا، وكان يدور على حرفه، وكان دورانه قائما. ومكانه إلى الآن باق. ويقال إنما صنعته ماردة لتحاكي به مرآة ذي القرنين التي صنعها في منار الإسكندرية.

ومن مدينة ماردة إلى قنطرة السيف

242

يومان. وقنطرة السيف من عجائب الأرض. وهو حصن منيع على نفس القنطرة. وأهلها متحصنون فيه، ولا يقدر لهم أحد على شيء. والقنطرة لا يأخذها القتال إلا من بابها فقط. ومن مدينة قنطرة السيف إلى مدينة «قورية»

243

مرحلتان خفيفتان، وقورية الآن مدينة في ملك الروم، ولها سور منيع، وهي في ذاتها أزلية البناء واسعة الفناء من أحصن المعاقل، وأحسن المنازل. ولها بواد شريفة خصيبة، وضياع طيبة عجيبة، وأصناف من الفواكه كثيرة، وأكثرها الكروم وشجر التين.

ومن قورية إلى «قلمرية»

244

4 أيام. ومدينة قلمرية مدينة على جبل مستدير، وعليها سور حصين ولها 3 أبواب، وهي في نهاية من الحصانة، وهي على نهر «منديق»

245

وجريه على غربيها، ويتصل جري هذا النهر إلى البحر، وعلى مصبه هناك حصن «منت ميور»

246

ولها على النهر أرحاء. وعليه كروم كثيرة وجنات ولها حروث كثيرة متصلة بالغربي منها إلى ناحية البحر، ولها أغنام ومواش، وأهلها أهل شوكة في الروم، ومن القصر المتقدم ذكره إلى مدينة «لشبونة»

247

مرحلتان، ومدينة لشبونة على شمالي النهر المسمى تاجة وهو نهر طليطلة، وسعته أمامها ستة أميال ويدخله المد والجزر كثيرا، وهي مدينة حسنة ممتدة مع النهر، ولها سور، وقصبة منيعة، وفي وسط المدينة حمامات حارة في الشتاء والصيف، ولشبونة على نحر البحر المظلم وعلى ضفة النهر من جنوبه، قبالة مدينة لشبونة، حصن المعدن، وسمي بذلك لأنه عند هيجان البحر يقذف هناك بالذهب والتبر، فإذا كان زمن الشتاء قصد إلى هذا الحصن أهل تلك البلاد فيخدمون المعدن الذي به إلى انقضاء الشتاء، وهو من عجائب الأرض، وقد رأيناه عيانا. ومن مدينة لشبونة كان خروج المغررين

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٦