انتهى وسيأتي كلام المسعودي بحروفه. (5) عدد سكان أسبانية
لاشك أن العصر الذي بلغت فيه أسبانية ذروة نموها هو العصر الروماني، فقد قيل أنه كان فيها أيام الرومان من ثلاثين إلى أربعين مليون نسمة. ولكن لم يوجد وثائق تاريخية تؤيد بلوغ أهالي الجزيرة الأيبيرية هذا العدد. ثم أنها كانت في نمو عظيم أيام العرب، يستدل على ذلك بكثرة مدنها الحافلة لعهد العرب، فقد كان فيها نحو من أربعين مدينة عربية، ومنها قرطبة التي أحزر عدد سكانها بنحو من مليوني نسمة، كما سيأتي الكلام في هذا المبحث. إلا أنه مع الأسف لا يوجد عندنا وثائق يعرف منها بالضبط عدد المسلمين الذين كانوا في أسبانية لعهد الناصر مثلا ولا عدد مجموع السكان من مسلمين ومسيحيين في ذلك العصر.
ومن باب الحزر والتخمين أقول إنه يمكن أن يكون عدد مسلمي الأندلس لعهد الناصر والمستنصر أقل من خمسة عشر مليونا. ولما أجلى الأسبانيول المسلمين واليهود هبط عدد سكان أسبانيا، لهذا السبب ولسبب آخر هو كشف أميركة التي هاجروا إليها، هبوطا عظيما. ففي سنة 1594 كان عدد سكان أسبانية نيفا وثمانية ملايين، ومضى على ذلك قرنان ولم يزدد عدد الأهالي أكثر من مليون واحد، ففي سنة 1768 كان في أسبانية تسعة ملايين ومائة وستون ألفا من السكان، ثم ازداد هذا العدد في زمن آل بربون إلى عشرة ملايين، وذلك في أوائل القرن الثامن عشر. وسنة 1832 كانوا أحد عشر مليونا، وسنة 1849 كانوا 14 مليونا، وفي أوائل هذا القرن العشرين صاروا 21 مليونا، والآن هم 22 مليونا و338 ألفا.
ومعدل كثافة السكان بالنسبة إلى مساحة الأرض هو 40 نسمة في الكيلومتر الواحد، هذا بالتعديل المتوسط. وأسباب عدم تزايد السكان كما في الممالك الأخرى، لا تنحصر في المهاجرة، بل هناك أسباب أخرى، مثل عدم التناسب في توزيع الأراضي، ومثل فدح الضرائب، ومثل التعامل بالربا، ومن جملة هذه الأسباب ندور الحراج والغابات، فالناس يرحلون إلى أميركة من الفقر ولا سيما من بلاد البشكونس ولاردة ووشقة وجيرونة. وأكثر الذين يرحلون من الجنوب هم أهالي المرية والقنت، ففي السنة يرحل زهاء مائتي ألف، وهم يرحلون إلى المكسيك والأرجنتين وسائر أمريكا. ومنهم من يرحل إلى المغرب وإلى الجزائر. وفي عمالة وهران 175 ألف أسبانيولي.
| هوامش
الفصل الثاني
| أقوال العرب عن جغرافية الأندلس
(1) قول ابن حوقل
قال ابن حوقل الذي خرج راحلا من مدينة السلام سنة 331، ووصف جميع ما شاهده؛ وأما الأندلس فجزيرة كبيرة فيها عامر وغامر، وطولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة، وتغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر والرخص والسعة في الأحوال من الرقيق الفاخر والخصب الظاهر، إلى أسباب التملك الفاشية من أكثرهم، ولما هم بها من رغد العيش وسعته وكثرته. يملك ذلك أهل مهنهم وأرباب صنائعهم لقلة مؤنهم وصلاح بلادهم. ويساوي ملكهم بقلة شغله وسقوط تكلفه بشيء يحذره وحال يخافه، إذ لا خوف عليه ولا رقبة لأحد من أهل جزيرته مع عظم مرافقه وجباياته ووفور خزائنه وأمواله. ومما يدل بالقليل منه على كثيره أن سكة دار ضربه على الدنانير والدراهم ضريبتها في كل سنة مائتا ألف دينار، يكون، عن صرف سبعة عشر بدينار، ثلاثة آلاف ألف درهم وأربعمائة ألف درهم، هذا إلى صدقات البلد وجباياته وخراجاته وأعشاره وضماناته ومراصده والأموال المرسومة الواردة والصادرة والجوالي والرسوم على بيوع الأسواق. ومن أعجب أحوال هذه الجزيرة بقاؤها على من هي في يدهم من صغر أحلام أهلها وضعة نفوسهم ونقص عقولهم وبعدهم من البأس والشجاعة والفروسية والبسالة ولقاء الرجال ومراس الأنجاد والأبطال، وعلم موالينا
1
عليهم السلام بمحلها في نفسها ومقدار جباياتها ومواقع نعمها ولذاتها.