تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14 (8) طليطلة

Tolédo

هذه البلدة هي من أعظم مدن بلاد أسبانية قديما وحديثا، ومركزها في وسط أسبانية وإن كانت أميل إلى الجنوب منها إلى الشمال، وأصل بنائها متوغل في القدم، يقال إنها كانت حاضرة الكاربيتانيين

Carpetani ، وقد ورد ذكرها في كتاب المؤرخ الروماني «تيتليف»، وهو يقول لها «طليطم»

Toleteum ، ويذكر أنها بلدة صغيرة، ولكنها منيعة بموقعها الطبيعي. استولى عليها الرومانيون سنة 192 قبل المسيح، وفي زمن القوط

Visigoths

جعلها الملك «أتانجلد» كرسيا لملكه وذلك سنة 567 للمسيح، وصارت هي حاضرة المملكة.

ولما وقع الانشقاق الديني في النصرانية بين الكاثوليكيين الذين يقولون بإلوهية عيسى، والأريوسيين الذين لم يكونوا يقولون بإلوهية عيسى، جرت في طليطلة مجادلات دينية شديدة، وانعقدت مجامع متعددة لفصل الخلاف، وكان لكل من الحزبين قوة هي كفؤ للأخرى، إلا أن الملك القوطي ريكاريد جحد المذهب الأريوسي سنة 557 للمسيح، فسادت بعد ذلك الكثلكة في أسبانية كلها. ولم يلبث العرب بعدها أن فتحوا أسبانية، واستولوا على حاضرتها طليطلة، وغنموا فيها مغانم كثيرة، مما سيرد ذكره في القسم التاريخي من هذا الكتاب. ولكن العرب لم يتخذوها حاضرة لملكهم كالقوط لأنهم وإن كانوا وجدوها متوسط بالنسبة إلى أسبانية، فلم يجدوها متوسطة بالنسبة إلى القوة العربية، وقد كانوا لا يقدرون أن يبعدوا كثيرا عن أفريقية، فلذلك جعلوا مركز الإمارة في أشبيلية، ثم في قرطبة وصارت قرطبة هي العاصمة مدة قرون متطاولة.

على أن طليطلة كان لها شأن عظيم في زمن العرب، وكانت هي المعقل الأعظم لهم في وجه الأسبانيول، وكانت تسمى بالثغر الأدنى، كان فيها أمير من قبل الخليفة وطالما انتقضت طليطلة على قرطبة، وطالما ساق عليها بنو أمية من قرطبة الجحافل الجرارة. وكانت تمتنع عليهم، وربما تغلب عليها الخلفاء بالحيلة، كما سيأتي خبره. وأخيرا عندما جرت الثورة في قرطبة، وانتثر سلك الخلافة، استأثر بأمر طليطلة الأمراء بنو ذي النون، واستقلوا بها سنة 1035. وفي جميع أدوارها كانت مدينة علم وصناعة، وفيها أحسن معامل السلاح ومناسج الحرير والصوف . وفيها صنعة الحفر والتنزيل على المعادن، وهي الصنعة الباقية إلى الآن من أيام العرب. ونفائس هذه الصنعة تباع في كل أوروبا. ولها في طليطلة تسعة معامل في يومنا هذا، والمترفون يتنافسون باقتناء ما يصنع بها من ساعات، وأسفاط، وعلب، ومحاجن، وأقلام، وسكاكين، وغير ذلك، من عمل اليد، وقد ورث الطليطليون كل هذا من العرب.

وقد بقيت طليطلة في أيدي العرب من سنة 712 مسيحية إلى سنة 1085 أي زهاء أربعة قرون، وكانت في أيامهم كلها زاهرة باهرة. وغلبت العروبة على نصارى طليطلة، فلبثوا نصارى، ولكن اتخذوا اللغة العربية والثقافة العربية لأنفسهم وكانوا يقيمون صلواتهم، وما يسميه النصارى بالطقوس الكنيسية، وذلك باللغتين العربية والقوطية، وصار الأسبانيول يطلقون عليهم اسم «موزاراب»

Mozarabes

محرفة عن «نصف عرب» ومن الغريب أن رغبة أهل طليطلة في العربية، وصلت إلى أنهم بعد سقوط طليطلة في أيدي الأسبانيول الذين أرجعوها حاضرة لملكهم لم يزالوا مستمسكين بعروبتها، ولبث أخذهم، وعطاؤهم، وبيعهم، وشراؤهم، وجميع صكوك معاملاته، بالعربية

15

إلى سنة 1580، أي أن آثار العربية لم تندرس من طليطلة إلا قبل عهدنا هذا بثلاثمائة سنة لا غير. وكان ذلك بتكرار الأوامر الصادر من الحكومة بمعاقبة كل من يتكلم بالعربية، أو يكتب بها، ولولا ذلك لربما كانت بقيت العربية في طليطلة إلى يوم الناس هذا.

وقد جمع «أنجل غوانزاليز بالانسيه» أحد أساتيذ الأدب في مجريط

Angel Gonzalez Palencia

تحت عنوان «نصف العرب، أو موزاراب طليطلة، في القرنين الثاني عشر والثالث عشر» عددا كبيرا من الصكوك والوثائق، التي كانت تكتب في طليطلة لذلك العهد، فبلغ ذلك ثلاثة مجلدات، فيها ما يناهز ألف صفحة بالقطع الكبير مع ترجمتها بالأسبانيولي. وإليك بعض أمثلة من هذه الوثائق:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٠٩