وأجدب بعد الخصب إذ كان زاهرا
بكل كتاب للفوائد واسق
سلام على تلك الربوع فإنها
رياض المعالي والمعاني الدقائق
لكم قد حوت تلك الخيام عقائلا
يضيء سناها من خلال السرادق
رواشق قلبي عن قسي جفونها
ألا بارك الباري بتلك الرواشق
تبيح لنا ألحاظها حيثما رنت
بسحر بيان صادق كل صادق
وإن خطرت سكرى فمن كل رائق
من اللفظ والمعنى ومن كل شائق
لقد أطلعت من تحت ليل فروعها
هلال محياها بأسنى المشارق
فليل وبدر عندها ما هما سوى
سواد مداد في بياض مهارق
بروحي هاتيك الثنايا فإنها
زهت في رياض الفضل زهو الشقائق
أتلحونني يا أيها الناس ويحكم
على الحب ما أنتم له بالعوائق
ولي أيضا، وهو من أوائل نظمي:
عليك أقمت أسناء الثناء
فأنت أقمت أثناء السناء
جعلت علي حق ثناك فرضا
وقد أحييت لي ميت الرجاء
توقد فطنة وتسيل لطفا
كطبع السيف من نار وماء
وحلمك راجح برعان رضوى
وعزمك كالمهند في المضاء
ومجدك ظاهر فوق الدراري
وذكرك فائق عرف الكباء
بروحي أنت لا وحدي ولكن
فداك القوم من دان وناء
إذا فتشت يوما في عروقي
ترى سريان حبك مع دمائي
فأين تكون يا مولاي مني
لأسني عند منزلك احتفائي
ففي قلبي أعيذك من غليلي
وفي عيني أعيذك من بكائي
لقد أنآك بالقدر التداني
وقد أدناك بالحب التنائي
أرى لك هزة للفضل حتى
طباعك أصبحت مجرى الطلاء
أراك لطفت حتى كدت تخفى
على أبصار مختبر وراء
فلابست الضمائر مثل سر
ولامست الظواهر كالهواء
وكتبت تحت أول صورة فوتوغرافية استخرجت لي، وكنت في الرابعة عشرة:
ونفسك فابدأ بتصويرها
بما أنت من خالد فاعل
وإلا مضى الجسم مع رسمه
ولا يخلد الزائل الزائل
رثائي لحجة الإسلام
وبينما كنا مباشرين طبع هذا الديوان بمطبعة المنار، تحت إشراف صاحبها العلامة الإمام حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا، إذ أصيب العالم الإسلامي كله بفقد هذا السيد الإمام الذي تتعاقب القرون ولا ينسى الإسلام عظمة مصابه - قدس الله روحه - فأنا ملحق بهذه القصائد، التي كانت تطبع تحت ملاحظته، بقصيدة رثاء له، وا حسرتاه عليه! والله يفرغ علينا الصبر الجميل من بعده، وهي:
تحدري يا دموعي بالميازيب
وعارضي السحب أسكوبا بأسكوب
وأدركي كبدا لج الأوار بها
عن مارج في صميم القلب مشبوب
هيهات أي الرزايا بعد ترمضني
وأي داهية دهياء تلوي بي
وأي خطب ملي أن أقول له
يا عمري انفض أو يا مهجتي ذوبي
مضى الذي كان فيه منتهى أملي
ومن نشدت لتعليمي وتهذيبي
ومن عن الأخذ عنه شد راحلتي
ومن للقياه إسآدي وتأويبي
شعرت أن خلت الدنيا بمصرعه
لم يكفني طول تشريدي وتغريبي
فمن أناجيه بعد اليوم في حزني
ومن أرى بثه بثي وتعذيبي
واها على حجة الإسلام حين خبا
ذاك الشهاب بليلات غرابيب
واها على علم الأعلام حين هوى
فلا تصادف قلبا غير منخوب
هوى وكل جبال العلم دانية
عن شأوه فهي منه كالأهاضيب
أين الذي كان إن أجرى يراعته
في أي فن أتانا بالأعاجيب
هذا المصاب الذي كنا نحاذره
نظل نلبس منه جلد مرعوب
من قبل رزناه فقدا غير ذي عوض
وكم حسبناه صدعا غير مرءوب
حتى إذا حل لم تعقد مناحته
إلا على حادث من قبل مرهوب
قضى الإمام الذي كانت مكانته
بين الأئمة في أعلى الشناخيب
لو كان أنصفه الإسلام يوم ثوى
لبات يرفل في سود الجلابيب
كان المقدم في علم وفي عمل
والجمع ما بين منسوب ومكسوب
له شمائل أمثال النسيم سرى
تذكيه نفحة نوار التعاشيب
سمح السجية لا يلوي على حسك
ويكره العفو أن ينأى عن الحوب
لم تعرف الحقد في يوم سريرته
ولا وعى سره شيئا سوى الطيب
كم قد تلقى أعاديه وقد كشحوا
بفضل ذيل على الآثام مسحوب
يلقونه حملا حتى إذا عبثوا
بالدين أصبح كالبزل المصاعيب
هناك لا هدنة يدري ولا خصم
إلا سيأخذ منه بالتلابيب
هناك أعظم بفحل غير ذي نكل
لدى اللقاء وسيف غير مقروب
يصول صول علي في وقائعه
فليس يعرف قرنا غير مكبوب
عدا على عبقر من ليس ذا صلة
معها على الرغم من نعت وتلقيب