وما كل باغ وصلها بقرينها
إلى ملتقى الجمعين والسيف فاصل
هنالك يدرى غثها من سمينها
هناك لنا في جانب الغرب إخوة
تسومهم البؤسى العدى بفنونها
بكينا لها نحن الألى ما تعودت
مدامعهم في الخطب بذل مصونها
فإن نحن قاررنا على ضيم أهلنا
فهيهات نرجو العز من بعد هونها
ترى النفس دينا وقفة في صفوفها
قضاء على الأرحام بعض ديونها
فما الشام والنيل السعيد ودجلة
سواها لدى أفراحها وشجونها
ووالله لا أعطي المقاد لظالم
ولما أرد بالنفس حوض منونها
إذا بات إخواني ببرقة سهدا
فكيف تنام العين ملء جفونها
27
عن مخيم عين منصور في ظاهر درنة أول ربيع الأول سنة 1330
وفي أول حرب طرابلس الغرب، واندفاع المصريين بمساعدة إخوانهم الطرابلسيين أقيمت في القاهرة سوق خيرية لشراء أشياء يعود ثمنها إلى المجاهدين والجرحى، وفي ذلك الوقت مثلوا في الأوبرا بمصر رواية «صلاح الدين الأيوبي»، وتليت قصائد ثلاث إحداها قصيدة لي تلوتها بنفسي، والثانية قصيدة للمرحوم «شوقي»، والثالثة قصيدة لشاعر القطرين «خليل مطران». وقد فقدت قصيدتي من بين أوراقي، فأمليت منها ما لا يزال عالقا بخاطري وهو:
سلا: هل لديهم من حديث لقادم
عن الغرب
28
يروى فيه غلة هائم؟
وهل وردتهم عن كريم مقامه
سمان المعالي في لطاف النسائم؟
وهل نظروا من نحو برقة موهنا
29
فلاحت لهم منها بروق الصوارم؟
تألق في ليلي ظلام وقسطل
فتنشئ سحب الدمع من طرف شائم
مواطن إخوان تملوا من الردى
كئوسا تساقوها بملء الحلاقم
دفاعا عن الأوطان إن دفاعها
لدى كل قوم كان أولى المكارم
تهيبهم فيها العدو مهاجما
فجاء دبيب اللص في ليل قاتم
ولين في إقباله من إهابه
وهل يخدع الإنسان لين الأراقم؟
فثاروا وما كانت زعانف رومة
من العرب أكفاء الليوث الضراغم
ونعم سقاة الموت هم كلما بدت
بروق المواضي في رعود الغماغم
وحسبك منهم كل قوم نمتهمو
أرومة قحطان ونبعة هاشم
وكم وقفوا يستنصفون عدوهم
وهزوا من الأملاك جذع المراحم
فلما رأوا عجز الدليل تطلبوا
لدى الصارم البتار صدق التراجم
فلم يك مثل السيف كاليوم قاضيا
ولا العهد مثل الآن أحلام حالم
وما طال نوم السيف إلا تنبهت
عيون الدواهي منه عن جفن نائم
أخلاي سوق للمنايا مقامة
تباع حفافيها غوالي الجماجم
فهل لكمو في سوق بر ورحمة
تنالون فيها باقيات المغانم
غياثا لمظلوم ونصرا لصارخ
وضمدا لمجروح وقوتا لصائم
كفى بالهلال الأحمر اليوم هاديا
لمن حار في ليل من الشك داهم
وأكرم بأم المحسنين
30
الذي طمى
جداها كلج العيلم المتلاطم
سليلة «إلهامي» فمن كل جانب
لها نسب نحو البحور الخضارم
وأجدر بقوم أمطرتهم هباتها
بأن يأملوا قرب انفراج المآزم
وحاشا بلادا أنتم عن يمينها
يفت بأعضاد لها ومعاصم
تخيلتها شوقا على بعد دارها
تصافحكم بالقلب لا بالبراجم
لقد حوصروا برا وبحرا وأمطروا
بحمر المنايا من سواد الغمائم
وقد طالما أرهفت حد يراعتي
فلما تعالى الخطب عدت لصارمي
أجل إننا من أمة عربية
نكافح عنها عاديات الأعاجم
ولو أنصف الأقوام في حقهم رأوا
مؤاساتهم فرضا على كل آدمي
وقبل الحرب العامة بسنة جرى في الآستانة تمثيل رواية «صلاح الدين يوسف الأيوبي» باللغة العربية، وقبل التمثيل تليت قصائد، منها قصيدة للأستاذ الكبير جميل صدقي بك الزهاوي العراقي؛ مبعوث بغداد يومئذ، ومنها قصيدة للأستاذ الكبير فارس بك الخوري السوري؛ مبعوث الشام يومئذ، ومنها هذه القصيدة لي. وإني لموصي قراء هذا الديوان بالتأمل في الأبيات الأخيرة منها التي فيها الكلام على مصير البلاد الشرقية؛ ليتأملوا كيف تم كل ما قيل:
إذا افتخر الشرق القديم بسيد
تميد بذكراه ابتهاجا محافله
ونصت موازين الفخار وقد أتى
يماتن كل خصمه ويساجله
فمن كصلاح الدين تعنو لذكره
رءوس أعاديه ومن ذا يعادله
يخالط أعماق القلوب ولاؤه
وتفعل أفعال الشمول شمائله
وأقسم لو في الحي نودي باسمه